خيانة المهنة وإخضاع الفكرة للمساومة!
سؤال عالماشي- موفق مطر

تقديس المنقول، وأخذه كمسلمات، لا جدال ولا نقاش ولا شكوك فيه، ودون اسئلة حول منطقه وموضوعه ومضمونه، أو إن كان ملائما للواقع، أو منسجما مع تطور الأفكار والرؤى الانسانية، ومدى تطابقه مع المعارف والعلوم المتقدمة (غير الثابتة) كانت المشكلة الأساس التي ورثتها المجتمعات العربية منذ القرن الثامن الميلادي. أما النائبة العظمى التي حلت بالشعوب فهي أن البعض عندنا ما زال مصرا على تعقيدها أكثر، حتى القرن الواحد والعشرين الذي نحيا ايامه ونعيشها، متجاهلا أو غافلا عن مجاورتنا لعالم يزخر بالتقدم العلمي والحضاري، والفكري، وتوفر الوسائل التي تمكن كل فرد في العالم من مواكبة حركة الحياة في الدنيا بمساراتها كافة، ورغم ذلك ما زالت محاولات، اغتصاب عقل الانسان، وتجميد دماغه، لمنعه من التفكير والتحليل، واستخلاص النتائج، وبذلك كله يظن صناع ومطورو هذه المشكلة، بقدرتهم على فرض ما ينقل عنهم، والمزين بمنقول من الارث كحقيقة، حتى أن بعضهم ذهب لأبعد من ذلك، ويحاول في عصر ثورة التكنولوجيا، تكذيب الوقائع، أو حجب بعضها، واعادة تضخيمها، ومنحها مسميات، ومعاني وتفسيرات، ليست ذات صلة بالوقائع، التي بات العالم يشاهدها من 360 درجة أفقيا وعموديا، ومن كل الاتجاهات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ومن هؤلاء، نرى اليوم من احتل مكانة المنجمين، الذين لعبوا دورا لا يستهان به في عصور غابرة، في تسييد سلطانهم، المستمد من سلطان من يخدمونه! بحكم المصلحة المشتركة، لكن هؤلاء الذين نقصدهم، لا يجلسون على ارائك، ولا يعبقون الأجواء بدخان البخور، ولا يستخدمون القرون والجماجم والودع والأصداف والرمل والحصى وغيرها من ادوات النصب، وإنما يمارسون حرفة تعقيد مشاكل حياة البسطاء وهم الأكثرية في الناس، باستخدام أدوات ما كانت إلا للتواصل بين الانسان والإنسان بالحق والخير والمحبة والسلام، والعلم والمعرفة، والفلسفة والمنطق، التي تقربنا أكثر من ادراك بعض الحقيقة، المطلوبة لتحفيز قناعات الانسان على المضي في السباق مع الزمن.
ما نشهده اليوم مؤلم أكثر بأضعاف، عما قرأناه من احداث غابرة في التاريخ، كان فيها الباحث عن الحقيقة يُحرق، أو يقتل بالسم، أو يسجن، أو يضهد، أو يسلط عليه اراذل المجتمع لإذلاله، ما يحدث اليوم أننا نجد فئة غير قليلة، من كل شريحة في مجتمعاتنا، تقوم بالمهمة ولكن ليس بذات الوسائل والأدوات، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق، فالمستهدف في التاريخ أفراد نابغون في العلم والفلسفة، أما اليوم فالمستهدف ليست شرائح المجتمع وطبقاته، بل كيانه الاجتماعي والثقافي، تمهيدا لهدم كيانه السياسي، وهدم أركانه التي رفعت على قواعد الحق المطلق، فترى مدعيا يحتل موقعا ثقافيا أو سياسيا أو مهنيا، وأخطرهم من اصحاب المهن الصحفي الذي يخون مبادئ المهنة، فيطرق على الحدث كالطارق على قطعة معدنية، فيقص منه ما يحقق رغبات باطله الساكن في عقله ومفاهيمه، ويغدر بالحقائق وهو في ذروة جهل بما حوله، فينشر ما يسميه خبرا مشبعا بدسم مسموم، ظنا انه العين الوحيدة التي رأت، والأذن التي لا سواها قد سمعت، فيسعى لتسويق بضاعته الفاسدة، وعار خيانة المهنة مدموغ على جبهة اسمه! وينطبق الأمر على شاعر، يكاد شيطان شعره، إذا نطق بيتا واحدا، يصيب عشرات المنافقين في السياسة بالإغماء، اندهاشا من قدرته على الدجل، وإخضاع الفكرة والمبدأ للمساومة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي