اعتذار.. (توماس بالك)!
تغريدة الصباح - حسن حميد

كتب إلي الكاتب المسرحي الألماني الصديق (توماس بالك) رسالة جديدة؛ بعد أن انقطعت الرسائل بيننا وقتا كاد يكون مديدا، هو لاعتلال حالته النفسية وانشغاله بالمصالحة مع صديقته (راميان)، وأنا لكثرة شواغلي الولود، قال لي: إن راميان دمرت حياته وأماتته، حين رمت (المنديل) بوجهه، وغادرت حياته، عندما انتقلت إلى مدينة (ميونخ) من دون أن تخبره، وقد بحث وسأل عنها طويلا عبر الهاتف، والأصدقاء، ولم يصل إلى نتيجة، فظل يدور حائرا في دائرة اسمها (دائرة الخذلان) ولم يعرف خبر مغادرتها إلا من خلال برقية موجزة منها، أخبرته فيها أنها تركت (برلين) وذهبت إلى (ميونيخ) لأنها في مزاج سيئ جدا، ولأنها ما عادت تشعر بطعم لذيذ من طعوم الحياة، وهي لا تريد إفساد حياته، لكن إن جد جديد لديها ستخبره، وله أن يعيش حياته من دونها، وألا يفكر بها مطلقا.
كل هذا.. ما كان يعنيني، لأنه تفاصيل بين اثنين، ما عناني هو ما قاله لي (توماس بالك) مجددا، وبعد أن دار بيني وبينه حوار طويل، عبر الرسائل، ومنذ أن تعرفت إليه قبل سنوات، حول الحال الفلسطينية، وما يخرب دورتها الدموية من صلف وغطرسة وخوف وقتل وعنصرية إسرائيلية غير مسبوقة منذ عام النكبة 1948، قال لي: اعذرني، لانشغالي عنك، فقد مرت شهور، ولم أستطع استعادة (راميان) إلى حياتي، بعدما تدهور مزاجها إلى أن أصبح مرضا، فقصرت في الكتابة إليك، قل لي: إلى أين وصلت الحال لديكم؟ أرجو ألا تكون حالكم تشبه حالي التي ملئت بالقلق والتوتر والأسئلة، والانتظار.
طبعا، لم يكن سؤال (توماس بالك)، هو آخر سطر في رسالته، كي أجيبه، فأتحدث عن الحال الفلسطينية التي لفها الشر الإسرائيلي، فامتد، وعلى نحو مسعور وشيطاني إلى الكثير من قرى ومدن ومخيمات الضفة الغربية، ناهيك عن ما فعله في قطاع غزة، وهو وحشي وأليم، وبذلك تعقدت الأسئلة والأجوبة معا، وصار الوصف عصيا على من يمتلك عينين رائيتين، لأن لا وصف حين يبكي القلب، وتبكي البيوت، والأشجار، والدروب، وحين تتوارى القيم السامية، وتغيب الأخلاق، ويذوب القانون الدولي ويتبخر، ويصير الدم بركة تسبح فيها الشياطين.
قال (توماس بالك)، لم أقل لك قبلا إن (راميان) يهودية وصهيونية معا، لأنني لم أشأ الحديث عنها، فقد اعتبرت الأمر شأنا شخصيا، ولكنني أظن أنك لاحظت دفاعي عن بعض الأفكار التي عبرت لك عنها في رسائلي، من أن (لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها)، فقلت لي بغضب، ونحن أهل الأرض والتاريخ لنا الحق أيضا في الدفاع عن أن أنفسنا، وعليكم أن تعرفوا هذا، وكنت تقصد بـ (عليكم) الغرب، وقلت لك: معك حق، وقلت لي: إن الغلط الابتدائي والأولاني هو أنكم دعمتم، أنتم وغيركم من أهل القوة، المستوطنة الأولى التي أقامها الإسرائيليون، وقد أقيمت لتكون مشروعا زراعيا، فغدت معسكرا للتدريب على القتال، ونسف البيوت، وإخافة الفلسطينيين، وكان مثل هذا.. دعمكم أيضا لإنشاء الحي الأول للإسرائيليين في مدينة القدس، وقد أقيمت مبانيه لتكون مشفى عاما لحجيج القدس، فغدت مبانيه حيا غربيا موازيا للأحياء الشرقية للقدس التي يسكنها أهلها الفلسطينيون، أذكر حديثك ذاك، وإجابتك الصريحة الواضحة، ومع ذلك كنت أشكك بها! أتعرف لماذا؟ لأن (راميان) ابتلعتني أو كادت، سدت علي نوافذ عقلي، وجعلتني أقرأ الأحداث والتواريخ والوقائع والحادثات بعينيها وعقلها وأمانيها وما أرادت تثبيته، كمسلمات أو بديهيات، في تلافيف مخي، عشت مع (راميان) ثلاثين سنة وأزيد، حياة صداقة لا حياة زواج رسمي، قرأنا كتبا مشتركة، وذهبنا إلى مؤتمرات وملتقيات مشتركة، وكانت لها الحظوة في عيني، فهي شابة وجميلة، وذات نشاط مفرط، وقناعات جنونية، وأنا كما رأيتني، قبل سنتين، ربما أكثر، أعيش افتتاحية طقوس شيخوختي، لقد تركت فورات الغضب لنصرة الحقوق وراء ظهري، وحرصت على قناعة فحواها أن السلامة تعني سلامة الرأس والبدن، لا سلامة الآخرين وحفظ حقوقهم! والسبب يعود إلى (راميان) التي قالت لي، وأقنعتني، طول ثلاثين سنة وأزيد، أن الوجود في الدنيا هو للقوي، وللقوي فقط، قالت أنت قوي/ أنت حي، أنت ضعيف/ أنت ميت! أحيانا، الحب رذيلة، يا صديقي، وهذا وجه من وجوهه، وقد اقترفت الحب، حب (راميان)، وعشت رذيلة الأفكار والقناعات التي رماها في عقلي!
الآن، وبعد خروجها من حياتي، وقولها لي، وقد ألححت عليها بأن تعود إلي، أو تدعني التحق بها: سيد (بالك)، اذهب إلى أي متجر يبيع أدوات الكتابة، واشتر ممحاة كبيرة، وامح بها السنين التي عشناها معا، واعلم، بل اقتنع، بأنني شيطانة في لبوس بشري!.. الآن أنا تغيرت، يا صديقي، فانتبهت إلى معاني مجاورة الأعشاب لأشجار السنديان، وسعة الفضاء للنسور والعصافير، وديموقراطية البحار أمام الأسماك والحيتان، كل ما قالته (راميان) عن القوة.. تقيأته، ورميته حيث يجب أن يرمى، وكل ما امتدحته من استعلاء وتفوق وذكاء وحذق وشطارة ودهاء، زفرته مثل كربون كريه، ومحوت كل ما تحدثت عنه من سيطرة وسحق وقتل وفتن ونقل للنار من مكان إلى مكان.. كي تبقى صهيونيتهم، أعترف أنني كنت أعمى، يا صديقي، لقد عماني الحب، فعشت في دهشة كاذبة، أنا كنت أحادي التوجه، أحادي الفكرة، وعنصري في مناصراتي، لم أفكر بالآخر رغم أنني كاتب، لقد غررت بي (راميان) فآمنت بأن الآخر غير موجود، وإن وجد، فهو موجود من أجل خدمتي، وإن لم يخدمني، علي أن أزيله من طريقي!
أيها الصديق العزيز، أتابع الآن أكثر ما يحدث في بلادكم، وبحرية، وأنني صرت أعرف أكثر بعد أن خرجت من فضاء (راميان) التي تغنت أمامي، وطوال ثلاثين سنة وأزيد بـ (جابوتنسكي)، سامحني، يا صديقي، لأنني لم أقتنع بحديثك لي عنه في رسائلك، حين سألتك عنه، وسامحني لأنني ما كنت مقتنعا بحديثك أيضا عن ما يحدث لكم في غزة والضفة الغربية.. لأنني كنت نائما في يقظتي، وغائبا في حضوري، وواهما في قناعاتي، وسخيفا في كتاباتي وآرائي، صديقي، أرجو أن ترى في هذا.. اعتذارا عن سلوكي الفوقي تجاهكم، اعتذارا عن فظاظتي وعمائي، أرجوك، اكتب إلي، كي أشعر بأنني عدت إلى (توماس بالك) الإنسان.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي