أطفال غزة.. أطراف مبتورة وقلوب تعانق السماء
قناديل- د. ولاء بطاط

ما هو الأمل؟
إنه ذلك الشعاع الذي ينبثق من أعماق الظلام، والذي لا يدرك معناه أكثر من طفل غزي عاش لياليه وأيامه بين الأنقاض، يتشبث بخيط واهن من الحياة. يخرج من بين الركام مثخنا بالجراح، ليواجه انتظارا قاسيا دام أكثر من 470 يوما، كان فيها حلمه الوحيد أن تعود الحياة إلى طبيعتها، أن يعود إلى بيته وألعابه وحضن عائلته. لكن حين توقفت الحرب، عرف أن بيته قد أضحى كومة من الحجارة، وأن بعض أفراد أسرته قد ارتقوا شهداء.
ومع قلبٍ مثقلٍ بالحزن وأحلامٍ مهشمة، استمر بالسير، متمسكا بأملٍ ضعيفٍ أن ينتهي هذا الكابوس. لكنه لم يسلم؛ فصاروخ غاشم سقط على خيمته البالية، ليمزق ما تبقى من عائلته ويفقده أطرافه. بقي هذا الطفل بلا عائلة ولا أطراف، لكنه احتفظ ببصيص من الأمل، أمل بات بلا ملامح: كيف للأمل أن يتجسد لطفل بلا أطراف بلا أيد تصافح بلا اقدام ترقص أو تركض.
ومع إعلان الهدنة، رفرفت أحلام الأطفال في غزة كالعصافير التي غابت عنها السماء طويلا. حلموا بالعودة إلى بيوتهم، إلى ألعابهم، إلى ما تبقى من طفولتهم. ولكن كيف لطفل فقد ساقيه أن يركض في أزقة العودة؟
كيف لطفل بلا يدين أن يقطف فرحة النجاة؟ كيف يمكنه أن يعانق أصدقاءه أو يمسك زهرة على شاطئ غزة؟
أطفال غزة مبتورو الأطراف لم يفقدوا فقط أيديهم وأقدامهم، بل فقدوا طفولتهم وأجنحتهم. عاشوا لحظات انتزاع أطرافهم دون تخدير، لحظاتٍ من الألم لا يحتملها الجبال. وها هم اليوم، بعيونٍ تملؤها الدموع، ينتظرون يدا تمسح جراحهم وقلبا يعيد لهم ما سلبته الحرب.
وها نحن، في طريق العودة، علينا أن نخفض خطانا، أن نحملهم على أجنحة قلوبنا، فلا نسابقهم نحو الماضي الذي لا يستطيعون اللحاق به. لنحلق معهم، ولنرسم معهم خطوات الفرح، وإن كانت بطيئة.
ذكرت الأمم المتحدة أن غزة أصبحت موطنا لأكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، وهو وصمة عارٍ على جبين العالم الصامت. هؤلاء الأطفال لا يحتاجون فقط إلى أطرافٍ صناعية تخفف من ألمهم الجسدي، بل يحتاجون إلى احتضانٍ يعيد بناء أرواحهم، إلى كلماتٍ تحملهم نحو المستقبل الذي يستحقونه.
فإن أردتم أن تعرفوا حقيقة الأمل، انظروا إلى أطفال غزة واسألوهم. أولئك الذين، رغم اجنحتهم المبتورة وظلال الدمار التي تخيم على حياتهم، ينسجون من الألم نورا ومن القهر قوة. هم الأمل الذي يتحدى ظلم الاحتلال، وهم النور الذي يبدد ظلام العالم بأسره، يعلموننا كيف تخلق الحياة من عمق الخراب، وكيف ينبت الفجر من قلب الليل الحالك.
أيها العالم، هؤلاء الأطفال ليسوا بقايا حرب، بل هم بذور الأمل، هم الغد الذي سننهض به. فلنكن لهم سندا، ولنكن أصواتهم التي تطالب بالحياة، حياة تليق بأحلامهم المبتورة وأجنحتهم المبتورة. فبدعمهم، ستنهض غزة، وسيعود الحلم أقوى من كل ألم.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي