في ذكراه.. أتفقد حياته!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترف، بأنني لم أغرم بكاتب مثلما أغرمت بـ جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994) ذلك لأنه ما كان فردا في كتاباته، ولا في غاياته، ولا في ما حلم به، جبرا إبراهيم جبرا كائن من نور ومعرفة ومعان ساميات، وجبرا إبراهيم جبرا، صيغة مثالية لحياة أدبية إبداعية سادها مجد الكتابة، والرضا المشتهى، سادها الانضباط الجمالي، وعمّتها القدرة على المحبة والتسامح واشتقاق الجميل مما رسّبته المماحكات وقصص النكد وأخبار الزيف والتقوّل وأفعال القبح والنظر إلى الدنيا والبشر والأيام القادمة بنظارة سوداء لا تستحوذ إلا على السواد.
يكفي أن ترى جبرا إبراهيم جبرا في صمته وهو يشرب الشاي. وأمامه أشجار حديقة، أو جدول جار، أو خلق يتحدثون ويعملون، أو يتصارخون أو يركضون، فيصوغ من هذا كله معنى جميلا للحياة بغناها وأحلامها وسعدها، وأساها ومخاوفها وأحزانها العامات.
يكفي أن ترى جبرا إبراهيم جبرا في حجرات المدارس، والمعاهد، والجامعات التي درّس الطلبة فيها، لكي تأخذك الحيرة وأنت ترى الرؤوس، وقد أصبحت جرارا مفتوحة، لتخزن ما يقوله، مثلما يخزّن العسّال عسل الخلايا، ولتأخذك الحيرة أيضا حين تدرك أن الوقت توقف هنا في هذه الحجرة كي ينصت لما يقوله جبرا إبراهيم جبرا عن الأساطير، والميثولوجيا، والانثربولوجيا، وعن شجاعة الإبداع وجماله، وتأويل ما دوّن عن حال جلجامش وصديقه أنكيدو، وأن الوقت تلبّث عند قيصر الأدب شكسبير (....- 1616) ليعرف الأسرار التي تلف القلب والعقل البشريين ويستنبطها كيما يفك طلاسم الذات البشرية وما عمّها من نزوات وشهوات وقوى عمياء، بلى كانت الجمادات تنصت إلى دروس جبرا إبراهيم جبرا كيما تتعلم، والوقت ينصت أيضا كي يدوّن فذاذة إبداع البشر، والتوق إلى العلو والسمو، وترك كل ما هو قشي وهش وسقيم جانبا، والشوق إلى الحميم الذي يعرّف الأرواح ويزكيها.
يكفي أن تقرأ كتب جبرا إبراهيم جبرا، لترى الإبداع خيولا في عالم القصة القصيرة، ليقول ما يقوله كاشفا عن مملكة اسمها مملكة الذات البشرية، لترى تجاور الجميل والقبيح، وما هو نباتي وشوكي، وما هو عشبي وترابي، وما هو علوي ودوني، وما هو أصيل ودخيل، وما هو صنيع ومطبوع؛ قصص جمعها في كتاب واحد فقط، قالت لقرائها: ها هنا تربخ الحياة بين سطوري، فأين هم عشّاق الحياة، وطلاب الجمال والسحر، والراضون بالألوان وما فيها من المعاني الزواهر، قصص لكأنها القرى أو المدائن أو البراري أو الدروب أو الغابات، ولكل منها عالم يؤيد قولة أهل الفلسفة، الحياة اختلاف لا خلاف.
يكفي أن تواقف روايات جبرا إبراهيم جبرا، وهي ست روايات، لتقول كيف لهذا الكائن القدرة على افتكاك نفسه من أسر عالم الرواية، ترى هل اقتدى بما فعله أوليسيس حين اقترب من النساء الساحرات المغنيات سالبات العقول (السيرينيات) حين طلب من بحارته أن يشدوا وثاقه إلى سارية السفينة بالعزوم كلها، كي يسمع غناءهن الساحر، وأن يسدّوا آذانهم بالشمع، خوفا عليهم من أن يتقافزوا واحدا واحدا للارتماء بين أحضانهن، وهن الجميلات الفاتنات ساحرات الغناء، نعم، كيف امتلك جبرا إبراهيم جبرا القدرة على أن لا يتوه ويجن ويهلوس بعالم الرواية الرحيب، وأن يصدها مرة، وأن ينجو من سحرها مرة، ويجافيها مرة، وقد أسلست له الانقياد، ومنحته مراد تدوينه طوعاً يشبه طوع الثياب لمرتديها.
يكفي أن ترى عشق جبرا إبراهيم جبرا للفنون، حتى تشيل بك كل مواهب الدنيا، وكل خواطرها، لتؤمن بأن الفن هو سيد هذا الكون، ولا شيء خارج الألوان، والتشكيلات، والكتل، وتجاور التضاد الكشاف، والمرايا المتقابلات لتؤمن بأنّ العقل البشري نسيج من واقع ومجاز، لقد أحب جبرا الرسم وهام به، وأحب الألوان حتى صارت الهواء الذي يجول فيه كطير، وأحب الفنانين لأنه عدّهم جهة لتخليق الجمال، وأحبّ النحت والعمران زينة لتصير الحياة جسورا بعضها يقود إلى بعضها الآخر من أجل غاية واحدة هي الجمال، أحبّ الفنون لأنها الممحاة الطويلة التي تمحو القبح، ولأنها المرآة الأولى للذات البشرية لترى وجهها الحقيقي، وجهها المراد.
يكفي أن ترى استغراق جبرا إبراهيم جبرا في ترجمة الآداب والفلسفات والفنون الأخرى من اللغات الأخرى، لترى أي كائن هو جبرا إبراهيم جبرا، فما تخيّره من ثقافات العالم وفنونها هو الأسمى، والأجمل، والأنفس، كيما يصير للمثاقفة ذلك المعنى الجليل، ترجم فوكنر، وأوسكار وايلد أدبا، وترجم ما قاله أهل النقد والأساطير واقفا، ثم ترجم شكسبير جالسا، ليقول لأهل الثقافة العربية، ها هو من يمثل دهشة الأدب في العالم الغربي بينكم حاضراً بادياً بقامته المديدة.
يكفي أن تقرأ سيرة جبرا إبراهيم جبرا المختصرة الوجيزة لترى طفل بيت لحم الراكض في الطرقات والزواريب حافياً، والصاعد أدراجها الحجرية الراهجة ليعرف أسرار أسطحة البيوت، وكيف لها أن لا تطير وهي ترى الغيوم السارحات السابحات، والأمطار الهابطة جبالا من الفضة الخالبة، ورفوف الطيور المحومات فوق أراجيح الهواء.
يكفي أن تعرف شيئا عن جبرا إبراهيم جبرا، أو تقرأ له مجزوءا من أسطره، أو ترى بعض لوحاته، أو تسمع عن صداقاته، أو تعبر إلى ما تقوله المدارس والجامعات وأقلام النقاد العارفين.. عنه، حتى تجهر بالشكر لهذه الحياة التي عاشها جبرا إبراهيم جبرا بكل ما فيها من عمل، ومعرفة، وجمال. ومن بعد يرحل عنها بهدوئه المعهود لتكون هي المئناس لنا، والمثال، والدرب.
طوبى لطفل بيت لحم الذي نادى أترابه الصغار إلى بيتهم، وفي غياب أمه، ليأكلوا ما صنعته أمه من (الرز بالحليب المحلى بالسكر) لأن ذلك الطعام كان عزيزا وجديدا، ومحلوما في كل بيت آنذاك، وحين سألته أمه، أين (الرز بالحليب المحلى بالسكر) يا جبرا، قال: أطعمته لرفاقي الحفاة لأنهم مثلي ما كانوا يعرفونه! وطوبى لجبرا إبراهيم جبرا لأنه، حين كبر، قدم إلينا طعوم الآداب والفنون الجميلة التي ما كنا نعرفها أيضا.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي