عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 كانون الأول 2024

"فصائل دمشق".. نهاية فصل استنزفنا وقسمنا وطنيا

باسم برهوم

مع ساعات الصباح الأولى بعد الزلزال الكبير في سوريا، وفي دمشق تحديدا، ومن بين الأسئلة والإجابات الكثيرة، سألني صديق: ماذا عن مصير فصائل دمشق الفلسطينية؟ لم أجبه سريعا لأن الموضوع لم يكن بين الأولويات، ولكن بعد مضي بضع ساعات، عاد السؤال الى ذهني، وعاد معه التاريخ البغيض الطويل لهذا المصطلح والذي يذكرنا بعهود الابتزاز والمحاولات المتواصلة لشق الساحة الفلسطينية ومصادرة إرادة الشعب الفلسطيني الحرة والقرار الوطني الفلسطيني المستقل.

وكان هذا المصطلح يتسع احيانا ليضم فصائل أكثر او يضيق ويستقر على تنظيم الصاعقة والجبهة الشعبية - القيادة العامة وفتح الانتفاضة، وبعض فصائل أخرى تمثل انشقاقات عن فصائل أخرى. وعندما كان يتسع كان يضم الجبهات، التي كانت وما زالت تهوى الشعارات والمزايدات، والمشوشة ايديولوجيا.

اللوم لا يوجه هنا للنظام السوري السابق، بالرغم انه فتك بالساحة الفلسطينية، وفتك بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، انما نلوم هذه الفصائل التي اختارت ان تكون مخرزا  بيد النظام وورقة للضغط على ياسر عرفات وقيادة  منظمة التحرير الفلسطينية على امتداد عقود، بهدف الخضوع للسياسة السورية.

وعندما كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يصمد بوجه الضغوط والتدخل في شؤون المنظمة، ويقرر أن يسير وفق الرؤية الوطنية الفلسطينية والمصلحة الوطنية، شاهدنا كيف كانت "فصائل دمشق" تشعل معارك جانبية في البقاع وطرابلس عام 1983، شاهدنا حرب المخيمات وتدمير مخيمي صبرا وشاتيلا، في اواسط الثمانينيات والأخطر شق فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لسنوات عديدة.

وعند كل اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني كانت أحصنة طروادة التابعة للنظام السوري تتحرك بهدف ارباك العمل الوطني الفلسطيني وإدخاله بمعارك استنزاف جانبية لا تتوقف، وعند كل منعطف كانت هذه الفصائل تشكل عقبة أمام اي خطوة تشير الى ان شعبنا الفلسطيني يأخذ قراراته بنفسه.

وفي بيروت اثناء الحرب الأهلية، كانت "فصائل دمشق" هي التي تقوم بالأعمال البشعة، مذبحة الدامور ارتكبتها منظمة الصاعقة، نهب الفنادق في بيروت قامت بها الجبهة الشعبية- القيادة العامة، وكانوا شركاء لقوات النظام والقوات الانعزالية، في مذبحة تل الزعتر، هذا المخيم الذي كتب بشأنه محمود درويش قصيدة الأكثر عاطفية " أحمد العربي"، ليشير الى ان الفلسطيني بقي وحده في تل الزعتر.

كان النظام السوري بحاجة للشرعية الشعبية، وكانت القضية الفلسطينية باستمرار هي المدخل لذلك، وكانت "فصائل دمشق" هي ورقة توت هذه الشرعية الزائفة، لقد استخدم هذا النظام الدم الفلسطيني من أجل بقائه واستمراره. وكانت "فصائل دمشق" في كثير من الأحيان أداة للقيام بمغامرات كلفت الشعب الفلسطيني الكثير من الدم، من أجل ان يضخ الدم في جسد النظام.

ما يهمنا هو ان كانت هذه الفصائل تبحث لها عن مستقبل، أو ان كان لهم مستقبل أساسا، لأن وجودها كان يرتبط بوجود النظام السوري.

أما إذا ارادت الاستمرار فإن عليها تنظيف تاريخها والاعتذار للشعب الفلسطيني، عن قبولها لتكون أدوات، لم نرَ منها اي فعل كفاحي وطني ضد الاحتلال الإسرائيلي، عليها ان تقول انها كلفت الشعب الفلسطيني اثمانا كبيرة واغرقت النضال الوطني في معارك جانبية استنزفته ومنعت قدرته على تحقيق وحدته، والمحافظة على مكتسباته ومراكمتها.

بعد ان تقوم هذه الفصائل بخطوة نقدية كهذه يمكن ان يسمح لها بالاستمرار في البقاء في منظمة التحرير الفلسطينية، والانسجام معها او انها تقرر انها لم تعد تصلح لأي شيء وتحل نفسها.

ان كل ما يهمنا هو ان تعود الفصائل الى الاجندة الوطنية والتي تحتمل كل وجهات النظر، ونعيد تصليب العمل الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وليس في مواجهة بعضنا البعض وفقا لاسترايجية وطنية متفق عليها.

اما بخصوص المستقبل، هناك حاجة لدستور وقانون أحزاب يحرم تلقي التنظيمات الدعم المالي من أي جهة خارجية، وان اي تمويل يجب أن يصرح عنه وان يكون غير مشروط. من غير المسموح ان تتحول الفصائل إلى معقل هدم بيد الجهات التي تمولها، وهو المرض الذي لازم الحركة الوطنية الفلسطينية، لننهي هذا الفصل ونعزز وحدتنا الوطنية لانه لا خلاص لنا إلا بها.