الظنون.. ظنون!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أجل، منذ أن بدأ هذا الوقت الحرون الوحشي في قطاع غزة وهو وقت موجع ومؤسٍ ودموي وباطش وطارد وصارخ ومحتشد برائحة البارود والجثث وحارق للبيوت والنفوس والحقول، وماحٍ للدروب والمعاني، ومستنبت للأنانية والغطرسة الإسرائيلية، وهو وقت خوف وعجز وأسئلة نازفة ألما، ووقت باعث على التأمل، ولو على عجل وارتجال، وقائل جهرا إن بواقي التوحش في الإنسان ما زالت حية ونشطة، وهي لا ترى، ولا تحس، ولا تدرك، ولا تسمع، ولا ترتجي إلا ما تريده شهواتها، وأنا أظن، منذ أن بدأ ذلك الوقت، أن البشرية تغط في نوم عميق صفته الأطرش واللامبالاة، ولكي يمحى هذا الوقت البشع لا بد لهذه البشرية من ان تستيقظ لترى وتعاين كارثة الظلم الواقع على أهلنا الفلسطينيين منذ سنة وأزيد، لقد توهمت قبلا، حتى صار الوهم ثوبي، وظننت حتى صار الظن فضاء ومراحا، لقد توهمت وظننت أن عقل العالم بارد وقادر على التفكير المنتج للأمن والسلام والحافظ والساند للقيم السامية، وأنه يرى بألف عين وعين، ولا ينتج، بعد أن كرت السنين وتكاثرت التجارب وتعددت الخيبات والخسائر.. سوى الحكمة التي صارت القوانين والأعراف صورة وضعية لها من أجل إدارة شؤون الحياة، وضبط السلوكيات، وتظهير الفوارق بين ثنائيات مثل الباطل والحق، لزل الباطل ومحوه، وتأبيد الحق وادامته.
ظننت، أن عقل العالم قادر على تمييز العدل من الظلم، كيما يرى الحق ومعانيه، والقيم وما تهدف إليه، والحس الآدمي وما يؤذيه، والحياة وما يخرب نسيجها، لكن ظني ظل ظنا، وصيحة في برية.
* * *
ظننت بصر العالم بصيرا يرى الجثث الفلسطينية التي رماها الرصاص الإسرائيلي في الدروب والشوارع، وأمام البيوت، وفي الخيام، ويرى المقابر وقد صارت قرى، والمدن وقد غدت خرابا وحيرة عاتمة، ويرى الناس وقد لفتهم الأسئلة الشيطانية، ويرى الخوف العميم الذي صار شجرا، والعجز الذي اشتد عوده فصار فأسا تحطب كل رأي سديد، ويرى الموت الجائل في كل مكان.. حتى في الهواء، لكن ظني ظل ظنا، وصيحة في برية.
* * *
ظننت أن سمع العالم رهيف، يسمع البكاء والدعاء والنداءات الطوال، يسمع ما تلهج به الألسن نهارا، وما ترجوه الشفاه الراجفة ليلا، يسمع أنات الجرحى في البيوت والمشافي والشوارع وتحت الركام، يسمع المستغيثين المطرودين المشردين من بيت لاهيا، وبيت حانون في شمال قطاع غزة، ويرى الحيارى الباكين العاجزين المحيطين بالنيران التي تحرق الخيام في المواصي في جنوب قطاع غزة، ويسمع أصوات الأمهات والفتيات، والفتيان، والشيوخ الواقفين المنكسرين، وهم ينادون ويرجون موزعي الشوربة أن يجبروا خواطرهم بمغرفة شوربة (واحدة لا غير)، وأنه يسمع أصوات وهمهمات من يرجون الله أن يعودوا إلى بيوتهم ومعهم بضعة أرغفة، وأنه يسمع جهر الكلاب بالبكاء، وهي تنهش جثث أهل البيوت التي تربت فيها، وأنه يسمع اصطفاق أغصان الدوالي وتلاطمها وهي تنادي بعلو الصوت: الماء، الماء! ولكن ظني ظل ظنا، وصيحة في برية.
* * *
ظننت أن أنف العالم الطويل قادر على الشم، وأنه يشم روائح الجثث المنتشرة هنا وهناك، كما لو أن كل الأرض البادية بقراها ومدنها ومخيماتها، هي ساحة حرب، ساحة موت، ومقبرة وسيعة لجثث لا قبور لها، ظننت أن أنف العالم الطويل يشم روائح البارود التي طالت كل الهواء، ومشت به من مكان إلى آخر، حتى صار هواء قطاع غزة هو البارود، لا رائحة أخرى تخالطه، لا روائح البيارات، ولا روائح حقول الورد، ولا روائح نباتات الحبق والنعناع الذي زينت عتبات البيوت قبل أن تخر راكعة تحت عنف القنابل الذكية جدا، وبطشها المخيف جدا، القنابل المحشوة بالنار والحقد، ظننت أن أنف العالم الطويل قادر على شم أبخرة الأجساد التي ذابت وتلاشت بفعل القنابل الإسرائيلية الجديدة التي يتم تجريبها واختبار فعاليتها على الأجساد الفلسطينية، لكن ظني ظل ظنا، وصيحة في برية.
* * *
ظننت أن يد العالم الطويلة تعتصر قلبه حسرة وندما.. وبقوة شديدة، وهي تعي وتدرك أن المجازر الإسرائيلية اليومية، والمذابح الإسرائيلية المروعة طالت كل شيء في قطاع غزة، مجازر ومذابح في القرى والمدن والمخيمات، وفي البيوت والمشافي والمدارس والطرقات، مجازر ومذابح طالت كل شيء حتى الهواء والتراب، لكن ظني ظل ظنا، وصيحة في البرية.
* * *
ظننت ان أقدام العالم القوية الطويلة المتعددة ستركض هارعة إلى نجدة البلاد الغزية، ونجدة أهلها، لأن العالم وعى الظلموت الذي وقع عليها، ووعى أيضا ما في الحروب والمجازر والمذابح من باطل ووحشية وخراب عميم، وظلم عميم، وبكاء عميم، وأحزان عميمة ناطقة، لكنني لا أرى أقداما هارعة بأهلها، كي تنجد المألومين المطرودين المشردين من بيوتهم، وها هم من دون أمكنة يلجؤون إليها، لكأن العالم بلا أقدام، بلا رأس، بلا عيون تبصر الخير، وتميزه من الشر، وتعي العدل وتميزه من الباطل، بل لكأن العالم بات كائنا حجريا مهولا، كائنا أطرش أعمى أخرس.
يا لظني الذي حسب أن العالم تخلص من بواقي الوحشية والحيوانية الباطشة، بالتجارب التي عاشها، والعلوم والكتب والفنون والقوانين التي صاغها، وتأييد القيم النبيلة التي ارتضاها.
بلى، ظني ارتطم بجدار طويل عال من شهوانية النزوع إلى القتل بصوره العديدة، لذلك ظل ظنا، وصيحة في برية، وأنا أرى يد العالم تزيل قطاع غزة وتحيده، ولا بصر يلتفت إليه الالتفات الذي يليق بتاريخ البلاد الفلسطينية، وبالشعب الفلسطيني الذي جعل من العمران البشري، والقيم النبيلة، والمحبة عقيدة وكتابا تقرأ الأجيال فيه. وتتعلم كيف ترتقي سلالم العزة لتبني قرى المعالي والجلالة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي