عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 كانون الأول 2024

هل يتم طي صفحة النفوذ الإيراني في المنطقة؟

باسم برهوم

تطورات متسارعة على الساحة السورية، وهي سريعة إلى درجة تعجز وسائل الإعلام من متابعتها، كما أن ما قد يكتب اليوم قد لا يصلح غدا. وفي الوقت نفسه من الصعب التوصل لاستنتاجات مكتملة، ولكن الواقع العام يقول إن القوى المسلحة التي تتقدم بسرعة على الأرض في سوريا هي النقيض للقوى المحسوبة على إيران. بالمقابل كل هذه القوى المتناقضة فيما بينها تتبع دول يمكن أن تعقد صفقات من الأعلى تأثر مباشرة على مسار الأحداث، ولكن على أساس توازنات جديدة.

في نظرة للواقع السوري اليوم نجد أن تركيا تقوم عمليا بمهمة تقليص النفوذ الايراني إذا لم يكن تصفيته تماما، وهو ما يشير إلى أن هناك قرارا دوليا بإعادة إيران إلى داخل حدودها وخصوصا بعد أن خسرت نفوذها في قطاع غزة، وتراجع نفوذها في لبنان. وعلينا أن نتذكر أن التمدد الإيراني بدأ من اللحظة الذي سقط فيها نظام صدام حسين في العراق، ومع الاحتلال الأميركي لهذا البلد عام 2003، فقد كان هناك ما يشبه التحالف، أو التفاهم الضمني، تفاهم يعبر عن المصلحة المشتركة في التخلص من صدام حسين.

ولاحقا تعمق التمدد الإيراني في المنطقة في إطار محاربة "داعش" والجماعات التكفيرية فقد كان فريق الجنرال سليماني ضمن القوة البرية في هذه الحرب، وفي تلك المرحلة كان الدور الإيراني مرغوبا به على الأقل من القوى الكبرى التي توحدت حول هدف وحيد هو هزيمة "داعش". وبعد أن تحققت هذه الهزيمة أصبحت طهران تشعر أن لديها فائض قوة يمكنها من خلالها فرض واقع جديد في المنطقة يخدم مصالحها، وخلال سنوات قليلة أصبحت إيران تتحكم في أربعة عواصم عربية، أو أن كان لها فيها كلمة قوية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وامتلكت أذرع مسلحة باتت تشكل تهديدا للعديد من الدول.

ما يتعلق بالشعب الفلسطيني، فقد استخدمت إيران القضية الفلسطينية، بشكل واسع وجعلت منها الورقة التي تمنحها شرعية للتمدد لمشروعها في المنطقة، الى أن وصلنا ليوم "الطوفان" في السابع من اكتوبر العام الماضي، والذي اعتبر انتهاكا لكل الخطوط الحمر، وبالتالي حاء القرار الدولي بتقليص التمدد الايراني بل وإعادة ايران على ما كانت عليه قبل العام 2003.

ويمكن أن نشبه أما حدث في السابع من أكتوبر 2023 (الطوفان) بالمغامرة التي قام بها صدام حسين عندما قام باحتلال الكويت في مطلع آب/ أغسطس عام 1990، والتي اعتبرت في حينه محاولة لتغيير الوضع الإستراتيحي في المنطقة ما دفع الأمور لتشكيل تحالف دولي كبير من ضمنه دول عربية، وقادت إلى حرب غيرت وجه المنطقة. واليوم نعيش ظروفا مشابهة، فالحرب التي بدأتها إسرائيل في قطاع غزة ومن ثم في لبنان غيرت عمليا موازين القوى في المنطقة، وهذا التطور بالتحديد قاد إلى ما يحدث في سوريا.

ما نراه عل الأرض في المشهد السوري حتى الآن، أن الأكثر استهدافا هو بالأساس النفوذ الإيراني، فالزحف قد يتوقف على أبواب دمشق لإجراء الصفقات. فالمجوعات المسلحة مما يسمى "هيئة تحرير الشام" تتفادى الاشتباكات مع الروس، ولم تهاجم منطقة الساحل، إنما هاجمت المناطق التي ينتشر فيها النفوذ الإيراني.

وما يجعل المشهد أكثر تعقيدا أن هذه الجماعات وزعيمها أبو محمد الجولان هم مصنفون على قائمة الإرهاب الأميركية والدولية، ما قد يشير إلى أن مهمة هذه الجماعات ليس حكم سوريا وإنما "تنظيفها من النفوذ الإيراني وإجبار النظام على التخلي عن هذا النفوذ".

مهما يكن الأمر فإن الإسلام السياسي بشقية السني والشيعي، الذي تصدر مشهد العنف في المنطقة لعدة عقود، قابل للاستخدام مرة تلو أخرى لمحاربة بعضه البعض، والمشكلة أن هذه الحروب تخاض بالعرب وعلى أرض العرب خدمة لأجندات إقليمية ودولية. والمشكلة أننا كلما اعتقدنا أننا قد انتصرنا عليه حتى يبرز من جديد، والسبب أن حركات الاسلام السياسي المتصارعة بعضها مع بعض، تعمل وكأنها شركات مقاولات نعمل في إطار المناقصات ولمن يدفع.

كل هذه التطورات، التي تجري منذ عقود، والتي تصدر فيه الإسلام السياسي المشهد الدموي ألحق ضررا بالغا بالقضية الفلسطينية، والأمة العربية، والنتيجة النهائية فإننا نعيش كارثة تتدخرج ككرة الثلج وتدمر كل ما في طريقها، وعلينا ان نسأل أنفسنا: من المستفيد من هذه الكارثة؟