وارثو زيوس.. وجرة باندورا!
تغريدة الصباح - حسن حميد

تقول الأسطورة إن غضب زيوس تكرر مرات ومرات، وهو يرى ما لا يسره ولا يرضى عنه، وفي كل حالات غضبه كانت الخاتمة تتجلى بدروس وعبر ذات دلالات حية تروم اخترام التجارب والتعلم منها.
غضبة زيوس الكبيرة كانت تجاه برومثيوس حين سرق النار وأعطاها للبشر، فقيده إلى جرف صخري على علوة جبل، فكان النسر يلتهم كبده باستمرار طوال النهار، فإذا حل الليل تعافت كبده وتجددت، لكن نهاية الأمر لهذه المأساة كانت بتحرر برومثيوس من شقائه ومحنته وآلامه على يد هرقل.
وغضبة زيوس الكبرى كانت حين أوجد عقابا يطال الأشرار على الأرض (من جنس البشر)، فكان أن شكل امرأة من تراب، وصفت بـ (الشر الجميل)، ولقبها بـ (باندورا)، تزوجت (باندورا) بـ (ابيثيموس) شقيق برومثيوس وأهداها زيوس جرة ملأى تحتوي على أنواع كثيرة من الشرور، وأوصاها بعدم فتح الجرة، لكن فضول باندورا قادها إلى أن تفتح الجرة، فانطلقت كل الشرور، وأصابت كل من هم حولها بالبؤس والخوف والأذى والمرض والضعف، ولم يبق في قعر الجرة سوى الأمل.
الآن، أتذكر هذه الأسطورة الإغريقية، وأنا أرى عناصرها الأساسية المكونة لها بادية وجلية وواضحة في السلوك الإسرائيلي، منذ أن أوجد الغرب الكيان الإسرائيلي في بلادنا الفلسطينية العزيزة، رغم كل مسارات التاريخ الحديثة، ورغم كل معطيات القيم الأصيلة الراشدة، ورغم معرفة كل الشرور الكاملة في هذه (الفعلة الخبيثة)، فالغضب الإسرائيلي الوحشي سببه هو ما امتلأت به جرة باندورا من شرور، والمتمثلة بتكديس الأسلحة في مستودعات الإسرائيليين التي راحت تستجرها لإخافة وإرهاب وقتل وتشريد أبناء الشعب الفلسطيني منذ 76 سنة وحتى يوم الناس هذا، لا بل إن شعور الكيان الإسرائيلي بامتلاكه القوة الهائلة المدمرة جعله يوزع شروره على كل المناطق الجغرافية المحيطة به، وعلى معظم المناطق البعيدة عنه، ترهيبا وإخافة وتهديدا بالويل والثبور، هذه الجرة الملأى بالشرور، والمتمثلة بالأسلحة الإسرائيلية، هي سبب الشقاء الذي يعيشه الفلسطينيون وهم فوق أرضهم داخل وطنهم المحتل، وخارج وطنهم بعدما شردوا في المنافي.
والحق، هو ان الغلطة اللاأخلاقية الشائنة كامنة في زيوس الغضوب الذي اعتاد العربدة، وخرق كل النواميس، والأعراف، والقيم.. بسبب امتلاكه القوة الخارقية وتحكمه بكل أمور الأرض، وبكل ما فوقها من بشر، وشجر، وحجر وعمران، وقد تجلى ذلك حين شكل امرأة من طين، طين بلا عيون، بلا تدبير، بلا حكمة، بلا معرفة تميز الخير من الشر، والجميل من القبيح، والصالح من الطالح، وزادت غلطته اللاأخلاقية قبحا حين صنع جرة جميلة من الخارج، ملأى بالشرور من الداخل، والأكثر بشاعة في هذه الغلطة الفاقعة، هو الكامن في أن زيوس كان يعرف أن الجرة قابلة للكسر، وأن ما فيها من شرور، سيخرج ويصيب الناس بالموت، والضعف، والارتباك، وشيوع الفرقة والاختلاف وسلوكيات العداء بين الجميع.
نعم، زيوس هو الغرب الاستعماري، والغرب هو زيوس، كان الغرب يعرف ويدرك، حين أقام الكيانية الإسرائيلية فوق الأراضي الفلسطينية، بأنها هي (الشر الجميل) الذي سيزرع الموت والقتل والاضطرابات والنزاعات والخلافات والعداوات في المنطقة، وحين أهداها الجرة المتمثلة بمستودعات الأسلحة الذكية، والمطارات والطائرات الراعبة، والمعسكرات الرحيبة، كان يعرف أن الجرة ستكسر ويشيع ما فيها من الشرور وتنتشر حتى تدمر الحياة، وتغيب القيم، وتتبدد الروح الإنسانية وتتبخر، وتتلف كل معاني الأخلاق وأبعادها ومراميها النبيلة، وها هي الكيانية الإسرائيلية (الشر الجميل) تمارس كل أنواع القتل والتهديد والعربدة والتوحش والعنصرية تجاه أهل الأرض الفلسطينية التي عمروها بالجمال منذ آلاف السنين، وزرعوا أرضها بالطيبات من القمح والخروب إلى الورد وعباد الشمس، وكتبوا أسرارها في المدونات الثقال، وأبدوا معطيات الفكر ونشاطه الحيوي في جل الآداب والفنون التي سطروها، فالغرب، مثل زيوس، يعرف ماذا صنعت يداه، ويعرف الأهداف الخبيثة التي توخاها من هذا الصنيع، وهو مثل (زيوس) لا يعرف ثقافة الاعتذار عن أفعاله القبيحة؛ (زيوس) عاقب برومثيوس لأنه سرق النار من جبل الأولمب، وأعطاها للناس، احتراما للحياة الإنسانية، وطلبا للمساواة، وتقديرا منه للإنسان القادر على البناء والعمران، و(زيوس) جعل النسر الهرم يأكل كبده نهشا في النهار، كي يموت بعقابه الجهول الظلوم، لكن فطرة الحياة كانت ترمم كبده وتجددها في الليل، (زيوس) في الأسطورة هو الغرب اليوم في الواقع، والكيانية الإسرائيلية هي (النسر) الهرم الذي يأكل كبد برومثيوس، و(زيوس) الذي شكل المرأة الطينية (الشر الجميل) هو الغرب الذي خلق الكيانية الإسرائيلية، وهدية (زيوس) (باندورا) الجرة المحتشدة بالشرور، هي هدية الغرب للكيانية الإسرائيلية المتمثلة بالأسلحة المتطورة والحديثة والمتوهجة ذكاء والحارقة والمدمرة، لكن كل هذا إلى زوال كما كانت جرة (باندورا) إلى زوال لأنه لا يوافق الفطرة الإنسانية، ولا يوافق معاني الحق والخير والجمال.
بلى، امرأة الطين مآلها الانطفاء، وجرة الشرور مآلها الانكسار، والشرور التي هي فيها مآلها التبدد والاندثار، ولن يبقى سوى الأرض وأهلها.. والأمل الباني للحياة بأثوابها المتجددة، وأن مصير (زعيم الحرب) وقوته العمياء، هو الغياب والموت النهائي، ومصير الإخافة هو الانسحاب إلى الكهوف والغابات والعتمة، أما العالم المنشود، فهو العالم المنار بالآداب والفنون..والعمران، والعالم المنادي جهرا .. بالقيم النبيلة السامية.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي