البقاء.. لأهل العمران!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أبدا، لا أحد يستطيع أن يغلق صفحات التاريخ مهما امتد الزمان، وطالت الأوقات، ذلك لأن طي التاريخ الحقائق والأسرار التي أريد لها أن تبقى طي الكتمان، ومجهولة لأن فيها قباحات لا تتوافق مع الفطرة البشرية المتمثلة في العدل والحق والحرية والسلام، ولعل الوحش الرئيس الذي يطال هذه القيم بنابه هو الحرب، أو لنقل بجرأة أكبر، هو فائض القوة التي تبحث عن سبل وطرق لتسريب هذه القوة وحصد نتائجها حتى لو كثرت وجوه القتل والمطاردة والظلم والأذيات عامة.
في صفحات التاريخ المهولة بأثقالها وأخبارها وحوادثها، حديث عن الحروب عامة، من حرب طروادة قديما إلى هذه الحروب البادية في أيامنا الراهنة، فالحروب بأسبابها الخفية والظاهرة هي البحث عن امتيازات ومصالح وأهداف جلها غير إنسانية وفاقعة في ظلموتها، والحروب بنتائجها، جلها فاجعة، وتثير الهجنة لأنها خالية من الصفات الإنسانية، خالية من القيم النبيلة المجسدة في ثلاثية الإغريق الذهبية: الحق والخير والجمال، لأن فائض القوة الذي يقود إلى الحروب محتشد بالأحقاد والأهداف الخالية من أي بعد إنساني، لأن الحروب قائمة على ثنائية الموت والهزيمة، وفي ذلك كل معاني الموت وصوره المخيفة التي تعني قتل الحياة، وإماتة ثقافة العمران وتشويهها، والحرب والعمران خطان لا يلتقيان، فالحرب في أبسط تعاريفها تعني القتل والموت والظلم، والعمران في أبسط تعاريفه يعني الحياة، والفارق بين الاثنين شاسع ومهول.
أقول هذا، وأشير إليه لأن ما يحدث اليوم في بلادنا سواء في قطاع غزة أو الضفة الفلسطينية المحتلة، ومنذ 76 سنة هو قتل وخراب وإرهاب في وجهه الظاهر، وفعل إماتة لكل ما هو حي وباحث عن العمران في وجهه الخفي؛ فالكيانية الإسرائيلية، اعتمدت ثقافة الموت والقتل والتحييد والتهجير والاعتقال والبطش بكل ما هو فلسطيني يتحدث أو ينادي أو يجهر بأنه صاحب هذه البلاد، وهو كاتب تاريخ أهلها، وهو الباني لعمرانها، وهو المؤلف لكتبها، وهو المؤيد لقيمها العزيزة، وهو الحارس لأمنها، وهذه الثقافة الإسرائيلية، وعلى الرغم من نتائجها الشائنة، ما زالت هي الثقافة المعتمدة نظريا وعمليا، صحيح أنها اهتزت ومادت في مرات عدة، لكنها ظلت هي الكتاب الذي يقرأ فيه الإسرائيلي لتوكيد غاياته الدموية، وما شجعه على ذلك هو الدعم الغربي، منذ وعد بلفور (1917) إلى وعود الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي في هذه الأيام الراهنة.
منذ 67 سنة، وإلى يومنا هذا، لم تتغير السياسات الإسرائيلية، وغايتها الأولى احتلال الأراضي الفلسطينية كلها، وطرد أبناء الشعب الفلسطيني جميعا، وما يحدث منذ سنة وأزيد، في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، هو وجه السياسة الإسرائيلية الأعم التي تريد أرضا خالية من أهلها، وتاريخا صفحاته بلا سرد، بلا أحداث وحادثات، بلا رواية، بلا معنى، وكأن الحياة بدأت ونهضت فوق هذه الأرض منذ 76 سنة فقط، والدنيا كلها تعرف تاريخ الحضارة الكنعانية التي فيها زراعة وصناعة وتجارة وعمران وكتب وفنون.
والحق الصراح البين مثل شمس ذهبية في صيف جلي الأنوار هو أن الكيانية الإسرائيلية هي كيانية مصطنعة، قامت بعزوم الغرب، وهي مرعية اليوم ومحمية برغائب الغرب وسياساته المنطلقة من وعي فائض القوة الممتلك والبادي في معظم دوله.
الغرب، ومنذ 76 سنة، جعل من الكيانية الإسرائيلية مستودعا خرافيا للأسلحة متجددة القوة والأساليب، والقادرة على قتل الفلسطينيين ببراعة مدهشة، من دون التمييز بين ذكر وأنثى، أو شيخ وطفل، أو بيت ومدرسة، أو دار عبادة ومشفى، أو مدينة وقرية ومخيم. فائض القوة المذهلة الذي امتلكته الكيانية الإسرائيلية جعلها اليوم تهدد العالم كله بالويل والثبور، وليس أهل فلسطين وحدهم، إنها ترى وتتكلم وتتصرف انطلاقا من فائض القوة لديها، ومن فائض تبنيها الجهير من قبل الغرب، وفي جميع المحافل الدولية، ولا سيما قرارات الفيتو التي اتخذها الغرب لحماية هذه الكيانية من جهة، ولتشجيعها على المزيد من العربدة من جهة أخرى، وهذا دعم سياسي، أما الدعم المالي بمليارات الدولارات فهو غير غائب عن العين، والدعم العسكري مذهل في حجمه، ومذهل في تلبيته لما تريده هذه الكيانية وبالسرعة القصوى.
وخلاصة الأمر، أنصور الظلم والوحشية والدمويةلا تقبع وتعيش في مدونات التاريخ فقط، بل هي قابعة وماثلة أمام أبصارنا في أيامنا الراهنة؛ الآن، تحدث إبادة جماعية في بلادنا الفلسطينية وبأسلحة الغرب الفتاكة، وبأيدي الإسرائيليين والمرتزقة الذين جلبوهم بالاغراءات، إنها تحدث أمام الكاميرات التلفزيونية، ولا أحد يفعل شيئا في بلاد الغرب سوى الفرجة، وكأن ما يحدث في غزة والضفة الفلسطينية حفلة سيرك ليس إلا، بلى، قبلا، مارس الغرب الفرجة طوال سنوات داميات على ما حدث في بلاد البلقان، تفرجوا على مذبحة سربرنيتشا، وقتل الأطفال، واغتصاب النساء، وخراب العمران، وحرق الكتب، واليوم ها هم يتفرجون على ما يحدث في بلادنا العزيزة، لهذا فنحن نعرف أن لا رجاء يترجى من الغرب المنحاز للوحشية الإسرائيلية، لكننا نعرف أن مآل قوة الكيانية الإسرائيلية هو الزوال والفناء، وأن البقاء لأهل العمران ..أهل الحضارة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي