خطاب سوزانا أرونداتي روي !
تغريدة الصباح - حسن حميد

رغم كل هذا الاصطفاف الغربي الخبيث ضد انصاف شعبنا الفلسطيني، والقول: كفى لما يتعرّض له الفلسطينيون من مجازر ومذابح، وطرد وتشريد، واعتقال وسجن، والتضييق على كل الحريات أياً كانت وجوهها، والوعيد والتهديد من قبل الإسرائيليين،.. إلا أنّ بعض الغيوم السود تنقشع، وبعض الصلف الغربي يتبدد، وبعض العماء يتوهّج الضوء منه حيناً، ولو على نحو ضئيل ومحدود المساحة، وذلك يبدو حين لا يفكر السياسي، وقد تقاعد، بالمصالح، ويبدو حين لا يفكر الكاتب والفنان بالمصالح والامتيازات أيضاً.
نعم، أعرف أنّ الغرب لا يمكن جمعه في سلة فضاء واحدة، فهناك تنوع،وتعدد، ولهذا نسمع بين وقت وآخر بعض الأصوات التي لم تتخل عن أخلاقيات القيم وغاياتها، ولم تغادر ما يشعر به الضمير أو الوجدان، ومن هذه الأصوات التي عرفناها سابقاً، ما قاله نعوم تشومسكي (1928-..) وهو أمريكي ويهودي، وقد بشّر بفناء إسرائيل لأنها تقوم على القوة العمياء، وقد قال في أحد كتبه، إنّ إسرائيل امتلكت من السلاح (وخزّنته) ما لم تمتلكه بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا في وقت عطشها الشديد لاستعمار بلدان العالم، وجعل الناس عبيداً ملحقين بما تقوله، وبما تراه، وبما تشير إليه، ويقول تشومسكي، ليس هناك من حرص شديد، مبالغ به، في إسرائيل سوى الحرص على اقتناء الأسلحة، والبحث عن أكثرها فتكاً وقتلاً وإرهاباً كي تقتل الفلسطينيين ببراعة.
وروجيه غارودي (1913- 2012) أيضاً، رمى كل المصالح جانباً مثلما رمى خوفه جانباً أيضاً، حين تحرى الركائز الشائنة التي يقوم عليها الكيان الإسرائيلي، فقال، وبالوثائق، هي أساطير قديمة، مثل قولتهم ( شعب الله المختار)، وهي أساطير حديثة، مثل قولتهم ( أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).
وماركيز الروائي العالمي (1927-2014) قال أيضاً في بيان وقّعه بمفرده: إنّ شارون وزير الحرب الإسرائيلي مجرم حرب، ومن الواجب أن يقاد إلى المحاكم الدولية.
أما اليوم، فنسمع تصريحات الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ (1970-..) التي تقول: قلبي حزين، غير قادر على الفرح بجائزة نوبل لأنني أرى وأعرف وأدرك أنّ شعباً يقتل ويحرم من أرضه هو الشعب الفلسطيني، شعب يقتل أطفاله، وتقتل نساؤه، مثلما يقتل شيوخه، ولا أحد يفعل شيئاً سوى الخرس، أو ادعاء الخرس، وسوى العماء، أو ادعاء العماء، وسوى الطرش أو ادعاء الطرش.
ونسمع أيضاً، ونقرأ هذا الخطاب المهم والمدهش الذي قالته الكاتبة الهندية سوزانا أرونداتي روي (1961-..) التي حازت مؤخراً على جائزة قلم هارولد بنتر الكاتب المسرحي البريطاني الشهير الذي حاز بدوره على جائزة نوبل سنة (2005)، وهي جائزة شهيرة في بريطانيا، وقد حازت على جائزة البوكر العالمية عن روايتها (إله الأشياء الصغيرة /1997). الخطاب كله، عداأجزاء قليلة جداً منه، يتحدث عما يحدث لأبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية المحتلة، وفي قطاع غزة، وفي الجنوب اللبناني أيضاً. وهو خطاب طويل، وصريح، وصادق، ومقنع، ومؤثر، وفيه حس إنساني عال جداً، ووعي بتاريخ القضية الفلسطينية ، وما حدث للفلسطينيين ويحدث الآن من إبادة جماعية، وتمييز عنصري، وشيوع لثقافة الكراهية من جهة، وثقافة الإرهاب والإخافة من جهة أخرى، وممارسات على غاية من البطش والتوحش والدموية داخل السجون الإسرائيلية وخارجها، والأكثر وحشية، كما تقول سوزانا أرونداتي روي، هو جعل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية كلها أمكنة اعتقال، وسجوناً للعديد من الأيام والليالي، لأن القوات الإسرائيلية تحاصرها، وتسد مداخلها، وتحول بين الناس وأشغالهم، والأكثر غباء وعماء وعنصرية لسلوك الإسرائيليين هو أنهم يدمرون المشافي والمدارس والأسواق ودور العبادة، ويسمون ما يقومون به بالحرب، وهذه، كما تقول الكاتبة الهندية، ليست حرباً، بل هي إبادة جماعية.
العجيب، أنّ سوزانا أرونداتي روي، لم تتحدث عن تجربتها الأدبية في خطاب الجائزة، ولا عن الثقافة والآداب والفنون، ولا عما تطمح إليه الآداب والفنون، ولا عن فرحها بالجائزة، وإنما تحدّثت ما يهدد السلم العالمي، وما يهدد الحريات، وحقوق الشعوب، ومفهوم السيادة والمواطنة، وما يهدد القانون الدولي، ثم ما يهدد المعادلة الذهبية التي سنها الإغريق والمنادية بالحق والخير والجمال.
الخطاب لم يقف عند الممارسات القبيحة للكيان الإسرائيلي فقط، وإنما تحدّث عن جرائم الغرب التي ارتكبت بحق الشعوب، مثل ما فعلته بريطانيا في الهند وجنوب إفريقيا، ومثل ما فعلته فرنسا في الجزائر، ومثل ما فعلته أمريكا في فيتنام والعراق وأفغانستان، ومثل ما تفعله بلادها الهند الآن أيضاً التي تزود الكيان الإسرائيلي بالسلاح، وتمده بالكادر البشري( العمالة في مستودعات الجيش، والمزارع، والمطارات، والموانئ) أيضاً.
خطاب سوزانا أرونداتي روي، مهم جداً، لأنه صوت العقل، وصوت الحق، وصوت الإنسانية، ولا بد من أن تتكاثر وتقوى وتتعالى الأصوات، مثل صوت روي، كي لا يظل العماء السياسي مطبقاً على معظم سياسات الغرب، وكي لا تظل القوة العمياء المتوحشة حارسة للظلموت الغربي المخيف الذي طال كل ما هو نبيل وعزيز، مثلما يطال الظلموت الاسرائيلي( المستقوي بالغرب منذ 76سنة) كل حي وعزيز ونبيل في حياة الفلسطينيين.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي