عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2024

خلفيات تذمر حركة براشيت

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

لا يكفي في تشخيص الحالة الإسرائيلية تسليط الضوء على أعمدة بناء هيكلها السياسي الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، وتحديد أهدافها الأساسية ضد الشعب الفلسطيني وشعوب الامة العربية، وإبراز هوية دولة النظام كدولة فوق الفاشية، دولة إبادة جماعية، انما نحتاج الى وضع سيرورتها تحت المجهر دوما لمراقبة ابعادها، وتأثيراتها الانية والمستقبلية، دون تغييب مرتكزاتها الرئيسية للربط الديالكتيكي بين الظواهر المختلفة، ولتعميق الفهم لظاهرة دولة النظام السياسي اللقيط، لعل ذلك يساعدنا في تأكيد قراءاتنا السابقة، أو استشراف عوامل الهدم الإضافية فيها.

من الظواهر القديمة الجديدة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، برزت حركة أطلقت على نفسها "براشيت" تضم عشرات الضباط والجنود برئاسة اوريا لوبربوم، تعكس هذه الحركة حالة من التذمر والاحتجاج داخل صفوف الجيش، يعكسون حالة الإحباط والرفض لمواصلة الحرب القذرة، والمطالبة بوقفها، وتطالب بتبادل الاسرى بالرهائن الإسرائيليين، ورفضهم الخدمة العسكرية في جيش الاحتياط. رغم محاولات الدولة وبعض وسائل الاعلام الإسرائيلية إخفاء صوتها، والتعتيم عليها، الا ان صحيفة "هآرتس" كشفت عنها الأربعاء 9 تشرين الاول/ أكتوبر الحالي.

وفي لقاء مع رئيسها لوبربوم عرف حركته، بانها حركة ليست سياسية ولا حزبية، وهي تضم جنودا وضباطا ينتمون الى اليمين واليسار، وأضاف ان الحركة تضم أصواتا بعضها يطالب بالحسم العسكري القوي، وآخرون يطالبون بوقف الحرب فورا، والتوجه الى صفقة تبادل أسرى، وبينهم من يطالب بوقف العمليات ضد الفلسطينيين. لكن ما يوحدهم جميعا، هو انهم يرون في إدارة الحرب فشلا ذريعا، يضاف الى إخفاقات منع هجوم "حماس" في 7 تشرين الاول/ أكتوبر 2023، وهي إخفاقات يُلقون بالمسؤولية فيها على الحكومة بالأساس بما في ذلك الجيش، ويحملون نتنياهو المسؤولية الأولى.

وكانت الحركة وجهت رسالة الى الحكومة ورئيسها ولرئيس اركان الجيش، نشرتها "هآرتس" في ذات التاريخ، وقع عليها 130 ضابطا وجنديا من الجنود الاحتياط، ومجندون ينتمون الى سلاح المدرعات، وسلاح المدفعية، وقيادة الجبهة الداخلية والقوات الجوية، تتضمن تحذيرا من انهم لن يخدموا بعد الان، ما لم تعمل الحكومة على الحصول على صفقة بشأن الأسرى، ووقف إطلاق النار، وجاء في الرسالة "من الواضح الان أن استمرار الحرب في غزة لا يؤخر عودة الاسرى فحسب، بل يعرض حياتهم للخطر أيضا: فقد قتل الكثير منهم بضربات الجيش الإسرائيلي، أكثر بكثير من أولئك الذين تم انقاذهم في العمليات العسكرية".

والتقت "هآرتس" عددا من الجنود المتذمرين، منهم "يريف" الذي قال لست مستعدا للمشاركة "في معركة كاذبة لا تنتهي، ولا نعرف متى وكيف تكون نهايتها. فلا يعقل أن تدير الحكومة حربا كهذه بلا هدف واضح، نتمكن من القول إننا مستعدون للموت في سبيله".

وقال أساف (29 عاما) "نحن نشعر بأننا نضحي بحياتنا وعائلاتنا لأجل مجموعة من المتطرفين الذين يريدون إبادة الفلسطينيين، ليس لنا ما نفعله في غزة ولا في الضفة. هناك ندافع عن سياسة متطرفة لخدمة الاستيطان والقوى الدينية المتطرفة، التي باتت تغزو الجيش". وقال يوتام فليك، الذي يقود فيلقا، انه يعتبر نفسه رافض خدمة لأسباب ضميرية. ولم يعد مستعدا للقتال في سبيل اهداف غير صهيونية، وأضاف "إسرائيل لا تفعل شيئا لإطلاق سراح المخطوفين. تنازلت عن أبنائها، وانا انظر الى نفسي والى ما نفعله للفلسطينيين في غزة، ولا أستطيع أن انظر في المرآة، إسرائيل خانتني وخانت المبادئ الإنسانية التي أومن بها، المطلوب الذهاب الى صفقة".

وكشفت بعض المصادر الإعلامية، اتساع ظاهرة التذمر والاحتجاج داخل صفوف الجيش، بتعبير آخر، لا تقتصر حركة الاحتجاج على حركة "براشيت"، ومن بين الجنود المتذمرين من اختار الاحتجاج بكتابة شعارات على السيارات العسكرية، ومن بينها "نتنياهو جيد للعرب"، ويقصدون بها، ان فشل نتنياهو يخدم أعداء إسرائيل".

وبدأت حملة الاحتجاج هذه مطلع السنة الحالية، عندما بدا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي طالب بوقف الحرب والتوجه الى صفقة تبادل أسرى. لكنها اتخذت شكلا صامتا وتعمدت العمل داخل الجيش بلا ضجيج، حتى لا تخدم "العدو". وفي شهر حزيران/ يونيو الماضي، ظهرت الى العلن للمرة الأولى بكتابة شعارات احتجاجية، التي انتقدها الناطق باسم الجيش قائلا "ليس من المعقول أن يتصرف الجنود بهذا الشكل عموما، فكم بالحري في خضم الحرب".

بالنتيجة، هذه الحركة الاحتجاجية وغيرها، آخذة في التوسع داخل مختلف قطاعات جيش الاحتلال الإسرائيلي الاحتياط والنظامي والفرق المختلفة، بسبب مضاعفة الإحباط، والشعور بانتفاء وجود هدف، سوى هدف شخصي لرئيس الائتلاف الحاكم، ولأقرانه من الصهيونية الدينية، واعتقادهم العميق، ان الحكومة ضحت بالأسرى الإسرائيليين، وينظرون لأنفسهم فيما لو تم اسرهم، بان مصيرهم لن يكون أفضل حالا من مصير الرهائن، وقالت زوجة أحد الذين التقتهم "هآرتس" في حال مت سأكتب على قبرك عبارة "مات غبيا".

ومع ذلك، وعلى أهمية هذه الحركات المتذمرة، الا انها ما زالت حركات ضعيفة، وغير مؤثرة. لأنها غير موحدة ولا منظمة، رغم انها تضاعف من توسيع دائرة الإحباط داخل صفوف الجيش، وداخل المجتمع الإسرائيلي، الا ان سادة إسرائيل في الغرب الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة، قادرة ان تعوض حكومة الإبادة الجماعية الإسرائيلية بالمئات والالاف من المرتزقة لتوسيع دائرة الإبادة في أوساط الشعبين الفلسطيني واللبناني.

[email protected]