القائمة السوداء.. مرة أخرى!
تغريدة الصباح - حسن حميد

قيضت لي المحبة، قبل ثلاثين عاماً من يومنا هذا، أن التقي الكاتب الفرنسي الشهير آلان روب غرييه (1922-2008) في أحد المؤتمرات الأدبية الخاصة بالرواية وقضاياها، والرواية واتجاهاتها، والرواية وتقنياتها، والرواية وأحلامها، تعرّفت إليه عبر حوار وسيط، فأنا لا أعرف الفرنسية، وهو لا يعرف العربية، ولذلك احتجنا لشخص ثالث يعرف اللغتين على نحو جيد، أردت من حوار استمر ثلاثة أيام، ولساعات عدة في اليوم الواحد، لأجيب عن سؤال أدبي كنت مهموماً به، وفحواه لماذا لم ينل الرجل جائزة نوبل، وهو من افترع طريقاً جديدة للرواية العالمية، في بلاده فرنسا، وفي العالم، فأوجد ما سمّي بـ (الرواية الشيئية)، لأنّ الأشياء، وببساطة، باتت في زمن الاستهلاك، أغلى من اثنين هما جوهر الحياة: القيم، والإنسان؛ وقد صار له أتباع ومؤيدون، في معظم البلدان الأوروبية، وفي أمريكا أيضاً، مثلما كان له أصدقاء، مشوا معه في هذا التيار، أمثال: كلود سيمون (1913-2005)، وصموئيل بيكيت (1906-1989)، وجيمس جويس (1882-1941)، ومنهم من نال جائزة نوبل، وهذا ما أثار العجب، والأسئلة، ومنها كيف لم ينل جائزة نوبل، وهذا ما أثار العجب، والأسئلة، ومنها كيف ينال الجائزة من لم يكن هو جوهر هذا الافتراع الذي عدّ في القرن العشرين فتحا يمنح الرواية الكثير من الحيوية من جهة، ويحاكي حال الواقع الاستهلاكي الذي تقدّم الكثير من معطيات الحياة من جهة أخرى لأنه غدا هما أساسياً ويومياً يعيشه الناس. ويتألمون من قسوته، بل ومن بطشه أيضاً.حين سألته: لماذا لم ينل نوبل؟ قال: أصحاب النفوذ ما أرادوا لي ذلك! قلت: هم كثرة، أما من تحديد؟ قال: لا، هم قلّة، ولكنهم يتحكمون في كل شيء، ومن هذا الكل: الآداب والفنون! قلت: لكن هذه الجائزة محكمة، وذات معايير. قال: دعك من الأوهام كل شيء له مختبره وكيمياؤه، قلت: وماذا قلت حتى أغضبتهم، قال: أنا لم أنس مقاومة أهلي، وأجدادي من أجل بناء دولة مدنية، جوهرها الإنسان، والقيم، والعمل، دولة لا تخضع لأي سلطة يمينية، دولة سيدها ومعيارها وحارسها هو القانون، قلت: كأنك تتحدث عن غاصبي بلادي، قال: نعم، بالتأكيد، وعمنا صمت غضوب.
اليوم أتذكر ذلك الحوار الطويل جداً مع آلان روب غرييه، وفيه إجابات صريحة ومدهشة متعلقة بآخر شكل من أشكال الاستعمار الغربي، وهو الاستعمار الإسرائيلي الموجود الآن في بلادنا الفلسطينية العزيزة، ومع أنّ العالم الغربي كلّه يعرف تفاصيل الظلموت الذي وقع على الشعب الفلسطيني (مكاناً، وتاريخاً، وعمراناً، وثقافة، وصيغة عيش) إلا أنّ الغرب ما زال حتى هذه الساعة يعمل على الحراسة المشددة لكل الوحشية، والعنصرية، والعبثية، وممارسات الشناءة التي يرتكبها العدو الإسرائيلي تجاه كل وجوه الحياة، والنماء والتطور والخلق والإبداع، وبناء الشخصية الفلسطينية الحديثة صاحبة التاريخ النايف الذي ورثته عن الأجداد والآباء، يومذاك دهشت من المعرفة التفصيلية والدقيقة التي يتمتع بها آلان روب غرييه، عن بلادي، وعن غاصب بلادي، فسألته، معرفتك هذه، وهي مذهلة، حال خاصة بك، قال: لا، إنها معرفة مدركة، نتحدث بها وعنها منذ أن ابتدعنا (الرواية الشيئية)، ولذلك سمينا ما حدث في بلادكم بـ (الشيء الكريه) إذ ليس من المنطق في شيء أن يسود ( الشيء) القيم، والعمل والروح الإنسانية ويتحكّم بها، الشيء ليس بمقدوره مواجهة هذه الصيغة الذهبية ثلاثية الأبعاد. قلت: إذا كانت الرواية الشيئية استنكاراً لقوة الأشياء، وعبثها بالإنسان، والقيم والعمل؟ قال: نعم!
واليوم، أتذكر ذلك الحوار مع آلان روب غرييه، وأعي ما جاء في إجاباته الصريحة والغريبة في آن، لأننا في يوم 12 تشرين الأول، وهو يوم الرواية العربية (عالمياً)، أي اليوم المخصص عالمياً لاستذكار ما قدّمته الرواية العربية، ولو على سبيل المراجعة، لمعرفة مسار خطها البياني، والمضايفات، والجديد الذي وسمها.
ومن المفزع حقاً، وفي هذا الآونة، أنّ جهة في الغرب، أرادت التحقيب لأهم 100 رواية عرفها العالم خلال 500 سنة، فذكرت 100 رواية، عدتها الأهم عالمياً، وليس من بينها رواية عربية واحدة، لا لنجيب محفوظ، ولا لـ حنا مينة، ولا لـ عبد الرحمن منيف، ولا لـ إبراهيم الكوني، ولا لـ جبرا إبراهيم جبرا، ولا لأي روائي عربي زحف على ركبه كي يحابي الغرب مثل ابن الطاهر بن جلون.. وغيره، ولم يكن الأمر متعلقاً بأوهام، أو أنه مجرد مصادفة، لأنّ قائمة الروايات المختارة، كانت مدروسة، وخاضعة للفحص، وتريد القول جهاراً نهاراً، هذه الروايات المئة هي الأهم في العالم، ومن لا يعجبه فليشرب من ماء البحر، لقد حيدوا وزلوا غوته، وبوشكين، وبوكاشيو، ودينو بوتزاتي، وفيكتور هيغو، ومعظم كتاب أمريكا اللاتينية، والبلاد العربية، والصين، أما الهند فلم يجدوا أمامهم سوى سلمان رشدي..
أكاد لا أصدق أنّ شعوباً لها آدابها، ولغاتها، وعديد سكانها بمئات الملايين تحيّد، وتبعد، وتهمّش، هكذا لمجرّد وهم أو مصادفة أو عبثية آراء..، أبداً، الحقيقة هي أنّ كل ما يصدر عن الغرب يصدر مصمماً، ومدروساً، وله غاياته، وإلا كيف تبعد روايات مثل: دكتور جيفاغو، وكل شيء هادئ في الميدان الغربي ووداعاً يا غوليساري، والبؤساء، وتذكر رواية لبينياميندزرائيلي ( 1804-1881)، إنه العماء، عماء القوة، وعماء البروباغندا، وهو أيضاً محاولة جادة لبقاء وتثبيت حضور ما يسمى بـ ( القائمة السوداء) المحتشدة بالكراهية والعنصرية تجاه الآداب العالمية الاخرى، ومنها الآداب العربية، وهي قائمة مكتوبة بأنفاس حامضية لم يتبدل ما فيها منذ 100سنة وأزيد، ومع ذلك يريدون اقناعنا بأن الموضوعية هي التي تسود وتتسيد.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي