عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 تشرين الأول 2024

كل ما في.. يبكيك!

تغريدة الصباح - حسن حميد

بلى،عرفت الكثير من الأدباء والكتاب والشعراء، وأهل الرأي والفكر، عربا وأجانب، وتأثرت بالكثير منهم فتعلمت وعرفت وأدركت وانجذبت إلى سلوكياتهم التي عنت لي أن الحياة كتاب ومواقف وأخبار وجسارات، فإما أن يكون الكتاب خضيلا وثقيلا وخالدا، وإما أن يكون قضاء حلم صغير ليس إلا، وكل هؤلاء الذين عرفتهم تزينت بآدابهم، وجماليات كتاباتهم، فكانت بالنسبة إلي تعويذة أمدت كتابتي ومعرفتي بأنوار وأسرار ما كان لي أن آخذها بين ذراعي غمرا لولا هذه المعرفة.

واحد من هؤلاء الأدباء الكثرة، لم يبق في أحياز التأثير والاقتداء بجماليات كتابته، لأنه دخل قلبي الذي راح يدق له طوال أربعين وأزيد تأييدا لمواقفه، وسلوكياته، وأدبه، وشخصه المذهل في الحضور، هذا الأديب هو رشاد أبو شاور الذي رحل في 28 أيلول 2024، بعد معاناة مع المرض دامت قرابة ثلاثين يوما، كانت كلها، أيام فزع، وخوف، ورجاء، ودعاء، وأسئلة، وقد عشتها قلقا خائفا فزعا راجيا متسائلا كي ينجو رشاد أيو شاور من هذه الوقعة، وأن ينهض، وأن ينادي، أين أنت، ها أنذا، وأن يصرخ لأسمع صوته، أن ماوية النسغ ما زالت على حالها، وأن شجر الروح ما زال أخضر، وأن صباحات الضحى الرائق، ما زالت تكر تترى، وأن العقل الذي آمن بعودة فلسطين لأهلها، ما زال يقرأ ويكتب ويتتبع خط بيان خطاها العائدة وهي تنشد: بلادي، بلادي!

لكن عاشق فلسطين، رشاد أبو شاور، ابن المخيمات، الفدائي الذي عاش حياته في القواعد الفدائية، والكاتب الذي لم يمل السؤال عن الكتب الجديدة، وعن الأسماء الادبية الجديدة، وعما قدمناه للعمران الثقافي الحضاري الفلسطيني من مضايفات، لقد ظل يسأل عن من هم في البلاد، من الأدباء، وعن من هم في المنفى، وعن الترجمة، وعن الفنون وذراها، ويقف متأملا عند الخيبات التي أدمت قلوبنا.

عرفت بكاء رشاد أبو شاور وعشته، يوم رحل جنرال الأدب الفلسطيني المعلم جبرا إبراهيم جبرا، يومئذ، وقبل ثلاثين سنة، قال، راح السقف، وقع علينا، انحنت قمتنا نحو الأرض، قلت له: كلنا ذاهبون، والعزاء بما نخلفه وراءنا، قال: كنت أظن أن الجمال والإخلاص والحذق والرفعة والسلوك الطيب، والروح النبيلة.. ستحمي جبرا، وتبقيه بيننا وقتا أطول فنراه أكثر، ونباهي به أكثر، ونستظل بجمال أدبه أكثر.

ورأيت رشاد يبكي حد الفجيعة حين استشهد حنا مقبل، قال: هذا معلمي، وكتابي، هداني للمعرفة وأيدني بالمواقف الوطنية النادرة، وذات الاشتقاقات العزيزة، ورأيته يبكي بجسده كله حين رحل محمود درويش، كان يبكي ويتنهد، ويشرق بدمعه، ويهمهم أن محمود درويش علا شأن الأدب الفلسطيني حتى وصل به إلى أهم الأمكنة في العالم، وقال: هذا المعول عليه أن يأخذ جائزة نوبل العالمية باسم فلسطين افتكاكا، يرحل لسبب بسيط جدا، وهو أن قلبه توقف لأنه ما عاد يحتمل أكثر، ورأيته يبكي مثل أمهات الشهداء حين رحل صالح علماني المترجم الذي نقل للغة العربية كل جميل في آداب أمريكا اللاتينية، قال: هذا جاري، في مخيم اليرموك، يرحل، وقد تعانقت روائح قهوة بيته وقهوة بيتي، فكانت أشبه بالنداء: تعال يا صالح، وتعال يا رشاد، ورأيت رشاد يبكي ملء حفنتيه دموعا حين رحل الشاعر خالد أبو خالد، قال: رحل صديقي الفدائي، حامل الكلشن، والمنادي! إما فلسطين وإما فلسطين، وقائد الميليشيا، وابن الشهيد في دير غسانة، رفيق القسام. وعرفته حين رحل الأديب محمد عادل، رفيق لياليه قرب ضفاف نهر الأردن، اوهما يريان أضواء أريحا تتراقص فوق سطح البحر الميت، الصديق الذي قاسمه ما في علبة سردين من طعام، ثم قاسمه شرب الشاي منها أيضا، ورعايته قد جن أو كاد حين رحل الشاعر أحمد دحبور، كان يبكي ويهمهم: أخي، أخي.

وعرفت رشاد يبكي أيضا في الأمسيات الأدبية، والملتقيات، حين كان يرى اسم فلسطين طيورا تملأ الفضاءات بتحويماتها وألوانها ومجدها العلوي.

بلى، لم يكن رشاد أبو شاور فردا وحيدا، بل كان اجتماع رجال، وأرواح، ومواقف، وقناعات، وأحلام، لقد تربى يتيما، حين رحلت أمه وعمره سنة أو أزيد بقليل، وهو لم يحفظ تفاصيل وجهها بعد، ولم يترنم بمناداتها: (تعال يما، تعال يا رشاد)، وله أخت (معزوزة) رحلت وعمرها سنتان فقط، تربى رشاد في مخيمات الدهيشة، والنويعمة، والنصر، ويا للتربية العظيمة، ويا للأخبار، ويا للكتب، ويا للجنازات، ويا لبكاء الأمهات، ويا للفقد الذي بلغت المخيمات بدورة الحزن الدائرة من بيت إلى بيت؛ وتربى رشاد على الكتب التي اشتراها، واستعارها، وليس حوله من عين تخاف عليه سوى عين محمود أبو شاور، والده، أبو رشاد الذي عشق الاشتراكية وأخبارها، وكتبها، وأعلامها، ورايتها الحمراء، كي يقرأها رشاد عليه لأنه أمي، ولكم كان رشاد يفاخر بأمرين اثنين: الأول أنه ابن الفلاح الطيب المثقف أبو رشاد، و الثاني أنه قرأ على والده ما أحب أن يعرفه عن الاشتراكية وأفكارها وأعلامها.

بلى، يرحل رشاد أبو شاور الآن، يرحل يقينا، وعلي أن أصدق هاتف زوجته أم فهد: رحل أخوك يا أبو مرعي، هاتف مطير الحزن، هاتف كله بكاء، وندب، وحزن، وأسى، لأن رشاد إن رحل رحلت زهوة حياتها، ورحلت أحلامها التي عاشتها برفقته.

أجل، رشاد أبو شاور، صاحب (العشاق) و (آه.. يا بيروت)، و (وداعا.. يا ذكرين)، و(أرض العسل) رشاد ابن الخليل.. رحل!

وهذا الرحيل يشبه رحيل القرى، وجفاف الأنهر، وغياب الغابات، وخلو الدنيا من الكتب، والنبل، والأحلام الجليلة.

مر علقمي هذا الرحيل، يا أبو فهد، وأنا لا أطيقه! كنت لا أطيق مغادرتك حين تزورنا، ولا أقوى على وداعك.. لكن الآن، الرحيل.. هو الرحيل، وحسبي غنما كتبك، ومواقفك، وأحلامك، ورجولتك، ومحبتك، كي أقطع بها.. المسافة المتبقية لي من عمر!

[email protected]