عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 كانون الثاني 2016

ساندويتش من يد أمي

سما حسن

أثبتت أبحاث ودراسات صحية حديثة أن إقبالك على الساندويتش الذي لا تعده بنفسك ويعده الآخرون لك يكون بشهية أكبر من الساندويتش الذي تعده بنفسك لنفسك، والتوقف عند هذه الدراسة لا يعني أنني كأم لا أعرف ذلك فعلا، واعرفه منذ صغري عندما مارست دور الطفلة، فالخبز الذي تحمصه أمي بجانب الكانون والنار تجاهد لتبقى كلما نفخت فيها أمي أشهى وألذ من الخبز الذي أخرجه من الثلاجة, وأسخنه فوق" رأس الغاز" وكوب الشاي الذي تقف أمي بجوار ابريقه وهي تقاوم نوبتها الربوية وتنتظر أن يغلي ولا يغرق الأم ويكلفها عناء التنظيف يكون أشهى واطيب من الشاي الذي تطلب مني اعداده للضيوف واسكب لنفسي كوبا على سبيل "ما يضل شي بالابريق وينكب خسارة"، وكوب الشاي الذي تصبه أمي وكأنها قد عايرت الابريق بحيث لا يتبقى ولا "شحطة" فيه لمن اراد المزيد اشهى بالطبع من كوب الشاي الذي اشربه كضيفة بفنجان من الخزف الثمين.

السر يبقى مجهولا، والبوح به ليس إلا كالبوح بأن الشمس تشرق من الشرق ولكن لا احد يعرف ماذا يفعل نورها ووهجها، وهكذا اقتنعت بأن هذا السر هو الذي يدفعني في الليالي الشتوية الباردة الى أن اعد شطائر صغيرة من الجبن وشرائح البندورة والخيار المقطعة بطريقة طولية واضعها أمام أولادي فيلتهموها في حب واستمتاع ويطالبونني بالمزيد، ولهذا أعرف وأكون على ثقة أن طبق الفاكهة المعتاد الذي يتوسط طاولة الطعام الواسعة لن تمتد له يد إلا أذا قمت أنا بتقشير الفاكهة وتقطيعها ووضعها في أطباق وتوزيعها على الاولاد.

البعض سيقول ان هذا نوع من الاتكالية ولكن هناك شيئا صغيرا دافئا في تصرف خاطئ مثل هذا، هذا الشيء أن ما يقدم من الروح هو للروح وكما قالت جداتنا قديما، ولذلك يفصح الزوج الشاب حين يزور بيت أمه أنه يريد "كاسة الشاي" من تحت ايدي الحاجة، وأنه يشتهي طبخة المجدرة من تحت ايديها أيضا، رغم أن الزوجة الجديدة الشابة تمص شفتيها في غير رضى ولا قبول فهي ستعد له البيتزا التي تدربت عليها جيدا، وستضيف في اليوم التالي نوعا من الحساء الذي حصلت على وصفته من الانترنت كوصفة قليلة السعرات، ولكن شاي الحاجة له مذاقه, ومجدرة الحاجة لأنها من روحها لا تقاوم.

أشياء كثيرة تربط الأبناء بالامهات، وان امتد العمر وكبرنا وان رحلت الامهات فعبق الذكرى نتنفسه حين نفعل ذلك لأولادنا، ولا يمكن أن نهضم دور الآباء ولا جميلهم، فأبي أطال الله عمره حين كان يدلك أصابعي المتورمة بالماء الساخن بعد تورمها بسبب" عضة البرد" لا يمكن أن انسى لمسته الحانية ونظرته المتسائلة المليئة بالأمل بأنني على ما يرام واستطيع النوم دون تنميل مؤلم في أصابعي الصغيرة.

انها أشياء لا تباع ولا تشترى ولا تفسر.