في ذكرى صديق كبير
تغريدة الصباح - محمد علي طه

قال المؤرخ هيرودوتس قبل ألفين وخمسمائة عام تقريبا: "مصر هبة النيل" وأسمح لنفسي أن أجاريه وأكتب بأن صديقي المرحوم محمود أمين العالم "هبة مصر للحضارة العربية والإنسانية" فالرجل أديب وناقد ومفكر وباحث ومحرر وعالم ومناضل وإنسان كبير بل هو نهر ذو روافد عديدة معطاءة تضع الباحث والدارس في حيرة كبرى، فمن أين يبدأ وعن أي منهل من ينابيع هذا النيل الثقافي يكتب؟!
كان لقائي الأول به في 28 كانون الثاني 2000 في قاعة "6 أكتوبر" في المعرض الدولي للكتاب في القاهرة بعد أن ادار ندوة فكرية عن "ثقافة العولمة" شاركت فيها كوكبة من أدباء مصر ومفكريها، وبعد حديث عاجل اتفقنا على ان نلتقي في الغداة، يوم السبت الساعة الثانية عشرة ظهرا في مكتبه، في الدور الرابع في 18 شارع ضريح سعد المتفرع عن شارع القصر العيني.
استقبلني الفراش وقادني الى غرفة فيها طاولة وكرسيان وتربيزة عليها علب شاي وقهوة ويانسون وسكر، وفي الثانية عشرة بالضبط دخل مكتبه البائس باسما مرحبا واقترح علي أن نشرب كأسين من اليانسون، فتذكرت صديقنا المشترك المؤرخ د. اميل توما، رحمه الله، ومكتبه المتواضع في شارع صهيون في حيفا، واليانسون الذي كان يعده بنفسه كلما زرته.
أصغيت إليه وهو يحدثني عن واقعنا السياسي والثقافي حديثا هادئا عميقا ممتعا.
عانى محمود أمين العالم من السجن والاعتقال في الفترة الناصرية بسبب مواقفه السياسية وآرائه الفكرية ثم أمر الرئيس عبد الناصر بإطلاق سراحه وقربه إليه، وأما في الفترة الساداتية فقد اختار المنفى في باريس.
وفي ظهيرة يوم الأحد 30 كانون الثاني حضرت ندوة ثانية له حول الكتاب الدوري الذي يشرف عليه "قضايا فكرية" وبعد الندوة ركبنا معا في سيارة الكاتبة السيدة ماجدة رفاعة، حفيدة رفاعة الطهطاوي أحد رموز وأركان النهضة في مصر.
تناولنا الطعام على مائدة بسيطة في الشارع في حي الحسين يقدم الحمام مشويا على الفحم او محشوا بالأرز ثم انتقلنا الى اللبان فتناول العالِم وماجدة الأرز مع اللبن (الحليب) وانتقلنا الى مقهى الفيشاوي لندخن النرجيلة، وعندما وصلنا الى باب المقهى شاهدت الرجل العجوز الأسمر ماسح الأحذية يترك الحذاء والفرشاة وينادي "استاذ محمود!" فرد العالِم: " عمو...." وتعانقا.
برز محمود أمين العالم اديبا ومفكرا بعد صدور كتابه "في الثقافة المصرية" في العام 1955 بالاشتراك مع د. عبد العظيم انيس ثم صدرت له عشرات الكتب في النقد الأدبي والفكر والعلوم والفلسفة والسياسة مثل "الثقافة والثورة" و"معارك ثقافية" و"تأملات في عالم نجيب محفوظ" و"توفيق الحكيم مفكرا وفنانا" و"الوعي والوعي الزائف" و"الانسان موقف" و"حوار مع ياسر عرفات" بالاشتراك مع بهيج نصار، وأعتقد أن مجلة "قضايا فكرية" التي أشرف على تحريرها مصدر هام للحياة الثقافية في مصر في تلك الفترة وتكاد تكون مدرسة كاملة لطالبي العلم والثقافة، وقد جاء العدد الأول حول " من الذي يحكم مصر؟" والعدد الثاني "مصر بين التبعية والخيار الاشتراكي" ثم "الصراع العربي الصهيوني" ثم "الإسلام السياسي" ثم "الفكر العربي بين العولمة والحداثة وما بعد الحداثة" وغيرها. وقد أصدر لي عن الدار نفسها مجموعة قصصية وكتب مشكورا مقدمة لها.
وأرغب أن تشاركوني في قراءة العدد الممتاز كالعادة عن "لغتنا العربية في معركة الحضارة".
كتب جبران خليل جبران: "لكم منها ما قاله سيبويه وأبو الأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها، والمحب لرفيقته، والمتعبد لسكينة ليله.
لكم لغتكم عجوزا مقعدة ولي لغتي صبية غارقة في بحر من أحلام شبابها".
وأما حافظ إبراهيم فقد نعاها على لسانها في أوائل القرن العشرين بقصيدة مشهورة ومنها:
أرى كل يوم بالجرائد مزلقا
من القبر يدنيني بغير أناةِ
سرت لوثة الإفرنج فيها كما
سرى لعاب الأفاعي في مسيل فرات
وأما الطبيب والجراح الروائي العربي السوري د. خليل النعيمي فقد كتب "الإبداع الأدبي مهما كان شأنه سيظل قاصرا ومحدودا بدون رافد علمي، فتقدم اللغة وتطورها لا يقوم على الأدب فحسب لأنه في أحسن حالاته يفتقر الى البعد العلمي. والنهضة اللغوية الحقيقية تعتمد أساسا على جرأة العلوم واستيعاب اللغة لها. والعقل الحديث لم يكن ابدا صنيعة الأدب وحده بل كان اساسا صنيعة العلم".
أين نحن اليوم من كلام جبران وقصيدة حافظ إبراهيم ورأي النعيمي؟
يكتب محمود أمين العالم في مقال جريء "دفاع عن الخصوصية اللغوية": انسانية الإنسان تكتمل بلغته واللغة تتحقق بأنسنتها. اللغة غاية في ذاتها. إنها وعي الإنسان بكينونته الوجودية، وبصيروريته التاريخية، وبهويته الذاتية والاجتماعية والقومية، وكليته الإنسانية، إنها السجل الناطق لهذه الأبعاد جميعا. ويضيف العالِم: كتيبة اللغة في طليعة كتائب المعارك السياسية والاقتصادية بين المصالح والقوميات والحضارات والثقافات المختلفة. تنتصر اللغة وتسود بانتصار حضارتها وثقافتها وتتهمش او تندثر بهزيمتها، ولهذا فازدهار اللغة دليل على تماسك وتجدد هويتها التراثية والقومية ورفعة مستواها الثقافي والانتاجي والابداعي وتفتحها الدائم على الجديد وعلى المستقبل. وهشاشة لغة من اللغات وتآكلها دليل على جمود هويتها القومية، وتآكل ثقافتها الإبداعية، وتقلص فاعليتها الإنتاجية.
ويرى محمود امين العالم ان السؤال الكبير في أيامنا هو مصير اللغات القومية في زمن العولمة الرأسمالية السائدة وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها على التكنولوجيا الجديدة، فقد أخذت تسعى لتنميط العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا لخدمة مصالحها الاستغلالية والتوسعية، لذلك يصبح الدفاع عن الخصوصية اللغوية والثقافية مرادفا للدفاع عن المعركة والخصوصية القومية والاستقلال الوطني والإبداع الذاتي، وهذا يعني مناهضة التسلط والاستقطاب والهيمنة لمصلحة دول او دولة بعينها، وهكذا تصبح قضية الدفاع عن الخصوصية اللغوية والثقافية والقومية معركة حضارية في عصرنا الراهن ذات ابعاد سياسية واقتصادية وثقافية وانسانية كاملة.
ويعتقد العالِم أن لغتنا العربية على الرغم مما تحقق لها من تجديد وتطوير وتطويع نسبي لمقتضيات العصر وحاجات المجتمع العربي فإنها لا تزال متخلفة على المستوى الثقافي والعلمي لعصرنا الراهن، وعن الوفاء بحاجات مجتمعنا وتنميته البشرية والإنتاجية.
من المؤسف أنه لم يترجم الى اللغة العربية حتى اليوم الجانب الأكبر من التراث الانساني في مختلف المجالات الأدبية والاجتماعية والعلمية وما زال تدريس العلوم الطبيعية والطبية في الجامعات العربية بلغة اجنبية، وما زالت مناهج التعليم وبرامج الإعلام متخلفة إزاء قضية تطوير اللغة وتجديدها بل تكاد تكون من عوامل تخلف اللغة نفسها.
ويرى العالِم أن لغتنا العربية تتعرض في هذه الأيام لظواهر سلبية في مفرداتها وبنيتها، وتزحف كلمات وصيغ اجنبية الى ألسنتنا وكتاباتنا بما لا تمليه ضرورة ثقافية.
ومن المؤكد أن العالِم لا يدعو الى نقاء لغوي فليس ثمة نقاء لغوي في أية لغة من لغات العالم وليس ثمة نقاء في لغتنا العربية في أزهى عصورها.
واخيرا أعتقد -وإن لم يكتب محمود امين العالم ذلك- أن لغتنا العربية لغة قوية صمدت في وجه التتريك والفرنسة والأنجلزة وطبعا العبرنة في بلادنا، ولا خوف عليها، ولكنها في الوقت نفسه تحتاج الى تطوير وعصرنة باستمرار، وعلى أبنائها ان يحترموها في حديثهم وكتاباتهم فهي صخرة بقائنا وتراب مستقبلنا في هذا الوطن.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي