هل ذهبت دماء هنية هدرا؟؟؟
باسم برهوم

بعد اختيار السنوار لرئاسة حماس، انتقل النقاش إلى مستوى آخر، وتراجع معه الحديث عن كيفية اغتيال إسماعيل هنية، ولا عن الاختراق الأمني الكبير الذي صاحب عملية الاغتيال، كما أعفى خبر السنوار إيران من تقديم أي تقرير رسمي يطلعنا عما حدث في المربع الأمني الأهم للحرس الثوري الإيراني في قلب العاصمة طهران، كما أعفى الخبر طهران من أي رد جدي وحقيقي على إسرائيل التي انتهكت بالعمق السيادة الإيرانية، واخترقت أجهزتها الأمنية.
إيران حتى اللحظة لم تقدم أي تقرير رسمي حول اغتيال هنية، إنما كانت هناك تسريبات تمررها طهران لوسائل الإعلام، ومن ثم تسارع لنفيها، كما أسمعتنا شعارات كبيرة، وما يتوقعه الخبراء بالسياسة الإيرانية، هو أن هذه الشعارات النارية لن تلد إلا فأرا، ويأتي الرد على شاكلة الرد السابق. وما يثير التساؤل هو أن الأمور وكأنها كانت تتم بتنسيق مع واشنطن التي تصرفت مع تعيين السنوار وكأنه موضوع يخص حماس وذلك لإبقاء التطورات تحت السيطرة، خصوصا أن واشنطن لم تخفِ أنها تواصلت مباشرة مع طهران بهدف لجم التداعيات ما يشير إلى أن صفقة ما قد تمت من خلف الستار.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا نقبل نحن الفلسطينيين أن يقتل منا بالمئات يوميا في غزة والضفة، وهل ستذهب دماء هؤلاء هدرا على مذبح الصفقات الأميركية الإيرانية الإسرائيلية؟ إذا أمعنا النظر بالمشهد بعمق أكبر ونسأل أنفسنا من المستفيد من كل ما جرى ويجري؟ نلاحظ أنهم كالتالي: إيران والإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي والولايات المتحدة باعتبارها مايسترو كل الألاعيب، وأخيرا اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبطانة نتنياهو وفي مقدمتهم هو شخصيا. أما الخاسر الأكبر فهو الشعب الفلسطيني، الذي يستثمر الجميع بدمائه ودماره ودمار قضيته.
منذ أن اتفقت واشنطن وطهران على إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق عام 2003 سمح حينها لإيران بتغلغل في الجسد العربي، ونشر ميليشياتها في عموم المنطقة. فما يهم واشنطن ألا تتمدد طهران أكثر مما يجب، وألا تمس بمصالحها بشكل مباشر، وأن تعملا معا بشكل مشترك بهدف احتواء أي تطور يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة .
ويمكن القول هنا إن الاتفاق بخصوص الملف النووي الإيراني، الذي وقعته إدارة الرئيس الاميركي أوباما العام 2015، قد مثل الشكل الأنسب لتنسيق العلاقات بين الجانبين، ولكن الرئيس الأميركي ترامب، الذي كان أقرب لليمين المتطرف الإسرائيلي قام بإلغائه في سياق المزايدات الداخلية الأميركية، بهدف الحصول على حالة إقليمية كالتي نعيشها الآن فيها قدر كبير من الفوضى، ولكن يتم التحرك فيها ضمن الخطوط الحمر المتفق عليها بين واشنطن وطهران، والتي من ضمنها الاتفاق على مواقف أشبه بمسألة اغتيال هنية في طهران وشكر في الضاحية الجنوبية، وحتى سليماني في بغداد، لذلك تتصرف الأطراف برغم ما يبدو بينها من تعارض وصراع بإيقاع متفاهم عليه وعلى آليات التعامل مع كل تطور.
إننا أمام مشهد يشبه إلى حد كبير حلبة مصارعة فيها قدر كبير من التشويق لكنها مضبوطة تماما في نتائجها، بحيث تبقى جميع الأطراف رابحة والجمهور المتحمس من جانبه راض أيضا، إلا أن هناك خاسرا في المشهد الحقيقي هو الشعب الفلسطيني، الذي على حساب دمائه وقضيته، يصاغ كل شيء، وعلى حساب الأمة العربية التي تفككت فيها دول مهمة كالعراق، وسوريا واليمن، وتدمير قطاع غزة بالكامل.
لن ننتظر رد إيران فهو سيأتي ضمن لعبة التشويق المكشوفة. ولكن في المحصلة ذهبت دماء هنية هدرا. ودماء حاولي 200 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح في قطاع غزة والضفة. وما التأخير إلا لضبط إيقاع الرد بحيث لا تكون فيه مفاجآت تضر بالتفاهمات الأساسية.
والسؤال الأهم: كيف قابل المواطنون في غزة اختيار السنوار لقيادة حماس؟ فهم الأحق بسماع رأيهم وليس من يجلسون في المقاهي أو الغرف المبردة مع ما لذ وطاب من الأطعمة؟؟؟
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي