من أين ستنفجر الحرب العالمية الثالثة؟
باسم برهوم

أقل من مئة عام مضت على اندلاع الحرب العالمية الثانية، (1939) ومئة وعشر سنوات علىاندلاع الحرب العالمية الأولى، (1914)، وفي كلا الحربين كانت البشرية، وخصوصا الدول والإمبراطوريات الكبرى تعلم أنها ذاهبة نحو حرب هائلة تحرق الأخضر واليابس، وفي كلا الحالتين لم يحاول أحدبشكل جدي وقف التدحرج نحو الحرب، وكانت النتيجة مقتل أكثر من 120 مليون إنسان،ودمار هائل في المدن الرئيسية في أوروبا. بعد قرن من الزمان نعود لأجواء مشحونة وأزمات وحروب مشتعلة قد تأخذ البشرية إلى حرب عالمية ثالثة. وكأن هذا الجيل لم يقرأ بما فيه الكفاية، أو مسح من ذاكرته هول الحربين العالميتين السابقتين، وهو ما يؤكد أننا لا نستفيد من عبر ودروس الماضي. وسرعان ما نكرر الأخطاء ذاتها.
البيئة الدولية العامة توحي بأن حربا عالمية ثالثة قد تنفجر في أية لحظة. وبعض المحللين يقول إنها بدأت بالفعل دون أن ندري، هناك شبه كبير بين الظروف التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، والظروف الدوليةالحالية، قوى تتحكم بالنظام الدولي، وأخرى تحاول أن تنفسها وتأخذ حصتها من كل شيء السياسة والاقتصاد والثروات والنفوذ. قبل الحرب العالمية الأولى كانت هناك حروب صغيرة مشتعلة هنا وهناك، والأطماع الاستعمارية والتنافس بين القوى الاستعمارية قد وصل ذروته، وهناك إمبراطوريات تتهاوى وأخرى صاعدة تسعى لالتهام قطعتها من قالب الحلوى.
السؤال اليوم ليس أن الحرب ستندلع أم لا، وإنما من أي بؤرة حرب وتوتر ستندلع؟ هلى ستكون منطقة الشرق الأوسط؟ وهذا أمر محتمل جدا مع وجود حرب على الأرض الآن، تمتد مساحتها من إيران إلى اليمن مرورا بسوريا ولبنان وإسرائيل وفلسطين. وخصوصا بعد التصعيد الإسرائيلي باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران. كما أن المنطقة (الشرق الأوسط) في غاية الأهمية من الناحية الجيوسياسية، فهي تتوسط العالم، وما فيها من ممرات مائية إستراتيجية، قناة السويس، مضيق هرمز، الذي يتدفق منه النفط، ومضيق باب المندب عنق التجارة العالمية، ومضائق البسفور والردرنيل مفتاح ثلاثة بحار، وأخيرا مضيق جبل طارق في أقصى غرب المنطقة وهو بوابة البحر الأبيض المتوسط علىالمحيط الأطلسي وقارتي أميركا الشمالية والجنوبية، وبريطانيا والدول الاسكندنافية في أوروبا.
أما البؤرة الثانية، فهي الحرب في أوكرانيا، كنقطة انفجار محتملة في أوروبا التي انفجرت فيها الحربان العالميتان السابقتان، فكل متر مربع في القارة العجوز يعتبر نقطة تفجير، لأن الحسابات هناك دقيقة إلى درجة أن أي تغير طفيف في ميزان القوى بين روسيا وحلف الأطلسي قد يفجر الحرب. ثم تأتي بؤرة التوتر الخطيرة في جزيرة تايون وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يفجر حربا بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وسرعان ما سيجد الطرفان حلفاءأستراليا ونيوزلندا، والفلبين وربما اليابان وكوريا الجنوبية ستقف الى جانب واشنطن. أما حلفاء الصين ففي طليعتهم كوريا الشمالية، وربما روسيا، وقد تنجر إلى هذه الحرب كل من الهند وباكستان.
في منطقة الشرق الأوسط، وإذا لا يتم وقف الحرب على قطاع غزة، وعلى الحدود مع لبنان، فإن احتمال توسع الحرب في أية لحظة هو أمر ممكن، وإذا توسعت فلن يستطيع أحد التنبأ بجغرافيا هذه الحرب وعدد أطرافها وقد تندمج مع الحرب الأوكرانية إذا افترضنا أن روسيا قد تقف مع حليفتها إيران، وفي هذه الحالة يبقى الموقف التركي محيرا خصوصا أنها عضو في حلف الأطلسي. أما الحرب الأوكرانية، فإنها هي الأخرى قد تتحول إلى حرب شاملة بين روسيا وحلفائها ودول حلف الأطلسي، وإذا ما حصل هذا التطور فإنه بالتأكيد سيعني أن البشرية بالفعل ستكون في أتون حرب عالمية ثالثة ستقتل مئات ملايين إن لم يكن مليارات، وستحول الأرض إلى منطقة لا تصلح للحياة لمئات السنين، وقد لا ينجو سوى القليل من الناس والبقع القليلة القابلة للحياة.
ما يجعل هذا السيناريو ممكنا هو طبيعة القيادات السياسية التي تقود العالم اليوم، فهناك شبه إلى حد كبير مع القادة الذين كانوا يتولون مقاليد الأمور قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية. فهم إما قادة متطرفون أقوياء أو ضعفاء لايمكنهم وقف التدحرج نحو الحرب. والأخطر هو أن النخب السياسية والثقافية هشة إلى درجة لايمكنها أن تشكل رادعا للقيادة. كما أن أجيال صفحات التواصل الاجتماعي هم اكثر اندفاعا نحو الغرائز منهاإلى العقل، وهي أمور إن جمعتها، فإن سيناريو حرب عالمية ثالثة يبقى موجودا بقوة، كما أن الأطماع والتنافس بلغ حدا لا يمكن حسمه سوى بحرب إلا إذا تصرفت الدول بحكمة أكثر ووازنت بين أطماعها، وغلبت مفهوم توازن المصالح على الجشع ومفهوم توازن القوى.
دورنا كأفراد وجماعات قد يبدو بسيطا وغير مؤثر في المعادلات الكبيرة، إلا أن جهدنا المتواصل من أجل وقف الحرب على غزة. فهذا الجهد إن أفلح نكون قد أطفأنا إحدى بؤر الانفجار. وقف الحرب على غزة ليس مهما ومفيدا للشعب الفلسطيني والمنطقة، وإنما أيضا للبشرية جمعاء، فهل تصحو البشرية قبل فوات الأوان؟ الواقع يقول لا.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي