عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 تموز 2024

ماجد يبحث عن قبر لأخيه

تغريدة الصباح - محمد علي طه

البرد قارس والرياح عاتيه والمطر يتساقط بغزارة والصبي عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام، وماجد يحدق بعينيه السوداوين في السماء ويخاطبها، يدعو، يبتهل، يرجو، يناشد، يسأل، وأمجد على ظهره. كانوا سبعة وماجد يحارب الرياح ويتحدى ويتهمها بالتعاون مع الغول. وقدما الغول في الوحل وذراعه في الفضاء وانامله تقترب من عنق الصبي. والحمل ثقيل وماجد يشتم وشتيمته تجري مع الرياح. كانوا سبعة والقصف كان في السابعة، صباحا او مساء، لا فرق، الزمن هو هو، والقصف هو هو، والموت هو هو، والساعة هي هي، قالوا له إن والديه سافرا الى الجنة، وصاروا خمسة، وأمجد على ظهره، لم يسافر أمجد مع والديه، أمجد على ظهر ماجد، وماجد يبحث لأمجد عن قبر، ولو يا وطن، يا سهول ويا هضاب، يا بيارات ويا أشجار ويا كروم، أمجد على ظهر ماجد، والصبي عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام ويحمل أخاه على ظهره، كان أخوه واحدا من سبعة وصار واحدا من خمسة و... أم الطائرات و.. أم الدبابات و.. أم الجنود، ذهب الذين يحبهم، ماجد وحيد، يحمل أخاه أمجد على ظهره ويبحث له عن قبر، ولو يا وطن، أمجد يكتفي بحفرة طولها متر وعرضها نصف متر وعمقها متر، وماجد يحمل أمجد على ظهره ويبحث له عن قبر، كانوا سبعة، هل لحقوا بالوالدين؟ هل امتطوا طيور السمان التي طارت واختفت، هل طاروا؟ لم يترك الفولاذ طائرا في الوطن. هذا الخريف بلا طيور، لا سمان ولا زرزور ولا قطا، وأمجد على ظهر ماجد، وماجد يبحث في هذا الوطن عن قبر لأخيه، عن قبر لأمجد، والرياح تصفر، تنوح، تندب. والمطر غزير. ومعطف ماجد تحت ركام البيت، كان للعائلة بيت، وكان للبيت حارة، وكان للحارة مدينة، وكان للمدينة أهل، وكانوا سبعة، والرياح العاتية تحمي ماجدا من طيور الفولاذ: تبا للرياح العاتية التي تمنع ماجدا من الحصول على قبر لأمجد، وأمجد على ظهر ماجد، وماجد عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام، وابيض شعر الصبي بعدما غزاه الدهر، ماجد ليس صبيا، كانت بيارة برتقال، بيارة خضراء وعلى اشجارها اوراق خضراء وازهار بيضاء لها عبير. قلعت انامل الغول، الاشجار، قلعت البرتقال واليوسف أفندي، قلعت الزيتون وقلعت النخيل، تعبت حمامة نوح وهي تحلق في الفضاء وتبحث عن شجرة، عن زيتونة، بكت مريم وهي تبحث عن جذع نخلة كي تضع ولديها، اغتالوا الزيتون والنخيل، راحتا الغول طويلتان، أنامله حادة، وماجد يحمل جثمان أخيه على ظهره، ويبحث له عن قبر، ولو يا وطن. قبر طوله متر وعرضه نصف متر، وشاهد، حجر صغير يلائم القبر، والغول يكبر، ويكبر، عن ماجد عن ابيه عن جده ان الغول ظهر له عند باب الوادي.