عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تموز 2024

ذكريات جيل

تغريدة الصباح - محمد علي طه

وضعت قبل أشهر قليلة اللمسات الأخيرة على روايتي الجديدة "فارس عين الزيتون" التي حاولت أن أجيب فيها على السؤال الكبير "كيف بقينا؟" أعني كيف استطاعت هذه الأقلية العربية الفلسطينية أن تبقى منغرسة في هذا الوطن الجميل، شوكة صبار في حلوق دهاقنة الترانسفير، على الرغم من هول نكبة العام 1948 وما رافقها من مجازر كثيرة وحكم عسكري بغيض وحصار خانق ومعتقلات وسجون ومصادرة أراض وهدم مئات القرى وتجويع وتجهيل ومحاولات "العربستيم" استنساخ عربوش، انسان عربي اسرائيلي بدون لسان وبدون عظام وبدون تاريخ.

خلق جيل الأجداد والآباء والجدات والأمهات الذي عاش النكبة واكتوى بجمرها ملحمة البقاء والصمود التي لا تستطيع رواية ما أو مسرحية ما أن تكون الجواب القاطع الشافي للسؤال الكبير "كيف بقينا؟" بل إن النكبة أنتجت وسوف تنتج روايات وقصصا وملاحم ومسرحيات وأغاني ولوحات وأعمالا إبداعية وفنية متنوعة بلا نهاية.

نشرت في الفترة الأخيرة في الصحف قصتين طويلتين هما "شاطت المقلوبة" و"شو بدك يا شاطر؟" مساهمة مني للإجابة عن هذا السؤال، وقادني هذان العملان الأدبيان بالإضافة الى رواية "فارس عين الزيتون" الى البحث في ذاكرة أبناء جيلي عن قصص أخرى، وما أكثرها، تنتظر من يكتبها وينشرها كي يعرف الأبناء والأحفاد ما جرى لأبائهم وأجدادهم قبل أن يغيب الزمن أصحابها وتصبح كلمة "لو" نشيد ندمنا.

اتصل بي الطبيب المعروف والناشط الاجتماعي الوطني د. حاتم كناعنة بعدما قرأ قصتي "شو بدك يا شاطر؟" واقترح علي مواصلة الكتابة في هذا الباب، والبحث عن هؤلاء الناس الذين يحكون قصة صمودنا وبقائنا ثم استضافني في بيته العامر في قلب مدينة عرابة الصامدة، هذا البيت الذي جمع الريف والمدينة والتاريخ والحضارة في غرفه وجدرانه وحديقته الواسعة الغنية بأشجارها ونباتاتها وأزهارها وطيورها التي نقل إليها د.حاتم ما تيسر من جبل الكرمل وهضاب الجليل ومرج البطوف وسهل المل.

كانت جلسة ممتعة ثرية شارك فيها أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين الثلاثة والثمانين عاما والتسعة والثمانين عاما وهم الأصدقاء د. شريف كناعنة، عالم الاجتماع، و د.حاتم كناعنة والرفيق توفيق كناعنة وأربع سيدات ماجدات شاهدات على العصر، وحملتنا الذكريات الى أيام النكبة القاسية التي عشناها وما جرى لقرى عرابة وسخنين وديرحنا وعيلبون والمغار وصفورية وحطين والدامون والرويس والبروة وميعار وغيرها، ومئات العائلات التي انتشرت بين كروم الزيتون بين بلدتي سخنين وعرابة في صيف العام 1948.

سمعت من هذا الرهط الكريم قصصا تسرد ملحمة هذه الأقلية الباقية الصامدة وعلى الرغم من مرور خمسة وسبعين عاما دمعت عينا أبي طارق وهو يتذكر ذلك المشهد العنيف لأحد الضباط مع والده.

اكتشفت أن العديدين من أبناء وبنات الجليل عصفت بهم رياح النكبة الى الجنوب اللبناني وصور وصيدا وبيروت الا أن حبهم للوطن الجميل دفعهم الى العودة اليه في الليالي الدامسة متحملين الأشواك ومخاطر قطاع الطرق ورصاص العساكر.

شكرا لأبي طي وزوجته ولأبي طارق وزوجته وكريمته سلوى وللسنديانة الحمراء أبي إبراهيم ورفيقة دربه على هذه الجلسة الثرية التي لا تنسى.