عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 حزيران 2024

علوات.. ثلاث!

تغريدة الصباح - حسن حميد

 

يا إلهي!

أي بلاد هذه، وأي بشر هُم أهلها..

وأي حياة هذه التي يفتكونها من غول القوة في القدس، وأريحا، ورام الله، وترمسعيا، والشجاعية، والنقب.. ولماذا هم لا يعرفون اليأس أو الإحباط أو الهدأة أو الالتفات، الجواب بسيط كالماء، وواضح مثل وجه معشوقة، وفحواه أنهم هم الحياة، هم الشجر وخضرته، وهم الحقول وما تعطي، وهم البحر وثماره، وهم العمران ومعانيه، وهم الكتب وسلالمها!

إنهم، وبعد هذا التاريخ الطويل العجيب الساحر، يساهرون ليلهم من أجل حياة جديرة باستقبال الأنوار، والأضواء، والصباحات العفية، أقول هذا لأنني ومنذ شهور تسعة، مدفون داخل أتون النار في غزة والضفة الفلسطينية، وقلبي يدق للأطفال الحفاة، وأيديهم ممسكة بأحذيتهم، يركضون خلف الدروب التي اشتقتها الأجداد والآباء، ويركضون نحو أجمات الخضرة لتتوارى أجسادهم وتتقي نار الإسرائيليين المندفعة بتهور إلى كل لبابة وقلب ويد وقدم ووجه منذ شهور تسعة في الضفة الفلسطينية وغزة، إنهم، أعني الأطفال، يحفظون بركضهم وتلاهثهم، وهم طي أعمارهم الغضة مثل نباتات الحبق، معنى الحياة، معنى الوطنية، وليس تحت أقدامهم الحافية الراكضة سوى التراب الناعم الذي شوته حرارة القنابل التي رمتها الكواد كابتر وسفن البحر ورشاشات الـ 500، وليس في عيونهم صور سوى صور الشمس الشارقة، وليس في صدورهم سوى هتاف رحيب للمعنى الخالد: عائدون، عائدون.

ألأجل هؤلاء الصغار الحياة، العراة، أصحاب الأحلام الكبيرة، يكتب ويرسم، ويفكر، ويسرد، ويروي، أدباء فلسطين وفنانوها؟

ألأجل هؤلاء، تخرج فطائر الحميضة والقريش والزعتر والسبانخ من الأفران والطوابين شقراء، دافئة، لها زكاوة لا يعرفها طعم آخر في الدنيا؟

ألأجل هؤلاء تزكو روائح الكعك المقدسي وتمشي على أقدامها من عقبة السعدية إلى الأسواق والساحات والبيوت والمقاهي لتعرش مثل الدوالي؟

ألأجل هؤلاء الصغار الباكين الخائفين الدامعة عيونهم، يجالس أهل الحذق الذين أحبوا الخشب ليصنعوا منه الهدايا والرموز والعلامات والصلبان كي تتصدر فضاءات البيوت؟

ألأجل هؤلاء الصغار الذين ينتشلون أعمارهم من بئر العتمة الإسرائيلية مرة، ومن حرائقهم التي يسوقونها إلى كل الأمكنة سوقا لتطال كل نبيل.. مرة أخرى، تكتب أيها الشيخ العزيز محمود شقير قصصك ورواياتك، أو لهذا تغني ألمك كيما يتريث ويهدأ ويستكين، أيها الشاعر الجبلي مراد السوداني، أو لهذا تنادي الحياة، يا خدينها، باسم خندقجي، لتقول لها، إن المكان الذي أنت/ السجن/ فيه ليس مكانك، وأن مؤبداتك التي حلمت بها لكي تكون هي مؤبدات الفصول، والتنوع، والعمران، والمحبات الوارفة، وليست مؤبدات القهر والظلموت والعزلة والإخافة.

بلى، قلت كل هذا لأشير إلى أن كل بعيد وناءٍ بالنسبة للفلسطينيين هو دان من القلب واليد والروح والبصر والأشواق، وله تعريشه المذهل والآسر؛ كل بعيد يقطع بخطأ الإبداع والجمال والدهشة، وكل ناء يصير معنى يتقلب بين الأصابع مثل الأسماك حشو الأنهار والبحار، حين يغدو الصدق والحذق والإخلاص هو الحياة.

محمود شقير، سيد السرد الفلسطيني الحديث، ابن الثمانين سنة ما زال يكتب ويشع وينير، كي تمحو قصصه ورواياته أكاذيب الإسرائيليين وسردياتهم الباهتة الشائهة، لهذا تأتيه من البعيد النائي جائزة فلسطين العالمية، تأتيه دالفة إلى ديار الشقيرات الذين دفعوا ثمن بقاءهم في بيوتهم، وفوق أرضهم، أزمنة أعمارهم وحيواتهم ما بين السجون والمقابر لتظل أرض السواحرة، وأرض الشقيرات، وأرض سلوان، ودور العبادة في القدس نشيدا منقى لكل الكلام، تأتيه الجائزة محومة مثلما تأتي البيوت رفوف الحمام.

وهذا الشاعر الجبلي، صديق الشجر، والبراري، والصخور، والنرجس، والدودحان، والتلال، والعلوات المطلة على الصباحات وشجيرات الغار والريحان، مراد السوداني، تأتيه جائزة الأولمب، من بلاد المسكوف، تقديرا لشعره البري الذي يجهر بفرادته، تماما مثلما تجهر الينابيع بفرادتها في رحاب البراري، ها هو معنى الأولمب، يرخي ظلاله هنا، في المعنى الفلسطيني المحمول على أكف قصائد السوداني ليقول لنا بالوثوق كله، والتمام كله، إن الفلسطيني عائد إلى أعشاب صفورية، والطنطورة، ومرج ابن عامر، وإلى الاحجار الثقيلة الموازنة الراهجة في جسر بنات يعقوب، وإلى أجمات القصب والحلفا والزل والخيزران في ضفاف طبريا التي تغني نشيد الطرب (هلي، وأنتم هلي)، وإلى كل نقطة ماء في مغتسل نهر الأردن المقدس، وإلى كل درب ناحل صاعد في لولبة ساحرة نحو جبل قرنطل في أريحا، لقد عاد أوديسيوس إلى إيثاكا الاغريقية، ونحن عائدون إلى فلسطين، إلى ظل كل شوكة من أشواك بيسان والأغوار والنقب.

وهذا السارد الفخيم، أبو المؤبدات والمرجلة، باسم خندقجي، يحوز على جائزة تنحني أمام سطوره العوافي التي تتحدث عن الهوية الفلسطينية، والسردية الفلسطينية، والأحلام الفلسطينية، وهي تواجه القوة الإسرائيلية العمياء، بلى.. كل ما هو شر أعمى،  وكل ما هو باطل ضرير، وكل أذى هو فعل ناقص.،

العزيز باسم خندقجي، ورغم سجنه الطويل المرير، يأتيه الفرح من البعيد النائي، ليقول له هات يدك لأقبلها لأنك تطوي المؤبدات ذات الأنياب الحادة، تطويرها بالصدق والحذق والإخلاص والحفاظ على المعنى..لأن كل شيء باهت ونافل وزائل إن كان بلا معنى، وسجانوك، يا بن البلاد العزيزة، أصحاب القوة العمياء هم باهتون ونافلون وزائلون لأنهم، هم وأفعالهم الناقصة، بلا معنى.

أجل، ثلاث علوات أدبية مدهشة تجلت مثل شروق الشمس، خلال الأيام القليلة الماضية، ولكن بعد تعب، وسهر، وأشواق مديدة، ومكابدات طوال.. لمحمود شقير، ومراد السوداني، وباسم خندقجي، هي علوات مشتقة من هتاف أرواحنا، ودأب خطانا، وصدق أقلامنا، ورسوخ أحبارنا، وجولان عقولنا، وقناعتنا الآبدة بأن الحق حق، وأن الشمس شمس.. حتى لو غطاها دخان الدنيا كلها.

[email protected]