عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 حزيران 2024

حيث الصخرة زهرة المكان

شاهد عيان- محمود أبو الهيجاء

لم أكن لأتخيل أن الصخرة زهرة، بواقع الزهرة وعطرها، وأن الدروب معبدة بلغة القصيدة، ولم أكن لأتخيل مكانا على هذه الكرة الأرضية ناطقا رسميا باسم المعجزة، وأن البشر جماليون بالسليقة، وحضاريون حين المرأة مقاما بنقش على عملتهم، وحين الهندسة زخرفة لبيوتهم وشوارعهم، وحين الماء جداول في أنابيب الفخار، لحياة الترف، وتفتح الطبيعة، لم أكن لأتخيل كل ذلك حتى وصلت الى "البتراء" النبطية الأردنية، هنا رأيت كل ما كنت لأتخيله، وهنا أدركت معنى الدولة حين ترى جذورها في ما صنع الأجداد من بناء، وتكوين، ورقي غاية في الابداع، فتبقيه سلالة ملوكية، وهي الدولة المملكة.

في منتدى الأردن للاعلام والاتصال الرقمي، انتبه القائمون على المنتدى في وزارة الاتصال في مقدمتهم وزيرها الحميم مهند المبيضين انتبهوا وعلى نحو بليغ الفطنة، أن للإعلام حكاية في التاريخ، فكان لا بد من "البتراء" لروايتها، والحقيقة أن المنتدى بقدر ما بحث في سبل التصدي لتحديات الاعلام الرقمي، والولوج الفاعل في عصره، بقدر ما رأى ضرورة هذه الرواية، لأن التطور في أي حقل كان، لا يمكن أن يكون منقطع الجذور، وبلا تاريخ، وما دوّن فيه صنّاعه من مقامات الحضور العالية، وللإبداع في هذا السياق سره الكامن في الإرادة التي جعلت من الصخرة زهرة، وكلما تجملت هذه الارادة بالأصالة، وتحصنت بتاريخها، كلما قادت عربة التطور قدما إلى الأمام، ولا أظن أن الإعلام الرقمي بأصلب من صخرة "البتراء" العطرة، لتكوينه، وزخرفته عربيا، بجماليات وبمعنى "البتراء" ذاتها، حيث الحفر في الجبال، كان ملحمة رقمية بلا تقنيات الإلكترونيات وشاشاتها.

لا أبالغ في هذا، وقد مسّتني روح المكان، وعطف أهله، وكرمهم الذي قادنا بعد البتراء إلى محافظة الكرك برعاية ابنها أمين عام وزارة الاتصال، الدكتور زيد النوايسة، الذي أذاقنا فيها سحر "الجميد الكركي، في ديوان عشيرته الكريمة، ولم تنقطع رحلتنا في التاريخ، في هذه المحافظة" التي فيها "أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها" كما كتب عنها الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة، هنا استمعنا لحكايتها مع القدس، حكاية أمجاد وتحرير وبطولة، كما حكايتها مع  معركة مؤتة التي هي أول معركة يخوضها المسلمون خارج حدود الجزيرة العربية، وبشواهد منيرة هي مقامات صحابة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذين استشهدوا في المعركة وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، رضي الله عنهم وأرضاهم، زرنا أضرحتهم، وقرأنا سورة الفاتحة، فخرجنا معطّرين بالمسك الذي كان يتضوع من أضرحتهم متجهين الى عمان. 

ولم تنته الرحلة بعد ولا أظنها ستنتهي...!