عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 أيار 2024

لطمتان خلال يومين

عمار جمهور

خلال 48 ساعة تلقت حكومة اليمين الاسرائيلية لطمتين متتاليتين: الأولى كانت بطلب المدعي العام في المحكمة الجنائية كريم خان اصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يوآف غالانت. فيما تمثلت اللطمة الثانية باعلان النرويج وايرلندا واسبانيا الاعتراف بصورة مشتركة بدولة فلسطين في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الاسرائيلية يسرائيل كاتس لاستدعاء سفراء اسرائيل في اوسلو ودبلن للتشاور. ودفع وزير المالية الاسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، لمطالبة نتنياهو بتوسيع الاسيتطان الاستعماري في الضفة الغربية، واحتجاز اموال المقاصة "المحتجزة أصلا"، وكذلك اقتحم ما يعرف بـوزير الأمن الاسرائيلي، ايتمار بن غفير، المسجد الأقصى للمرة الاولى منذ أحداث 7 اكتوبر، واعلان غالانت بدء تنفيذ ما نص عليه قانون "الغاء فك الارتباط" من شمالي الضفة الغربية، الذي تم التصويت عليه وتمريره بالقراءتين الثانية والثالثة في الكنيست في 21 آذار 2023. 

قد يبدو للوهلة الاولى ان نتنياهو خانع لابتزاز سموتريتش وبن غفير للحفاظ على ائتلافه الحكومي، ولكن في حقيقة الأمر، ان نتنياهو اكثر تطرفا وعنصرية منهما، ويحتاجهما لتمرير رؤيته الصهوينة المتطرفة التي تستر على البوح بها والجهر علانية بفحواها، وان كانت مكشوفة للبعض.

وفي حقيقة الامر فانه من المعروف ان التيار الديني يشكل تخوفا داخليا مستمرا من قبل التيار العلماني على مستقبل اسرائيل، الذي حذر مرارا وتكرارا من صوله الى السلطة ومركز صنع القرار. واليوم بات واضحا ان هذا التيار فضح حكومة اسرائيل وورطها في مطبات وورطات تاريخية ليس من السهولة الخروج منها بمكاسب تعود بالنفع لصالح السردية الاسرائيلية التي عملت على الترويج خلال عشرات السنين ان اسرائيل ملاك الشرق الأوسط وانها موجودة وسط محيط من الأشرار. وانها رأس الحضارة الغربية وفق ما اعلن نتيناهو في اكثر من خطاب اعلامي بأن حربه على قطاع غزة هي حرب حضارية يقودها نيابة عن الغرب وان اسرائيل رمز الحضارة والحداثة.

وكانت ردود فعل الحكومة الاسرائيلية على اعلان الدول الاوروبية الثلاث الاعتراف بفلسطين هوجاء وحادة ومرتبكة ومتخبطة وسريعة غير مدروسة وانفعالية ولا تنم عن تفكير عميق واستراتيجي، يحذوها الفشل في ادارة المعركة العسكرية في الميدان، ففي الوقت الذي ترتكب فيه اسرائيل مجازرها في قطاع غزة وجنين، يختار العالم ان يقف الى جانب معاناة شعبنا الفلسطيني. وبات عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين اكثر من تلك الدول التي تعترف باسرائيل. وأصبح المشروع الاستعماري في مأزق حقيقي لان جزءا لا بأس به من الغطاء الغربي لاسرئيل قد انسدل عنها جراء بشاعة جرائمها وفضحت صورتها بفعل الممارسات غير الانسانية في حربها على قطاع غزة، واتباعها لسياسة العقاب الجماعي والتجويع والحصار والترويع والقتل.

إضافة الى ان طلب استصدار مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت يجعلهما رسميا ضمن مجرمي التاريخ باعتراف من المنظومة الحضارية الغربية الاوروبية، في حال موافقة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي على ذلك، التي ادعى نتنياهو انه ممثلها ووريثها الشرعي في الشرق الأوسط. كما كان لاعلان الدول الثلاث نيتها الاعتراف بدولة فلسطين دلالته ومعانيه، فهذه الدول وازنة في اوروبا واتخذت قرارها بناء وتماشيا مع رغبة الاغلبية العامة من شعوبها وبموافقة برلماناتها وفق ما اعلن رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز وانطلاقا من روح القانون الدولي وتثبيت حقوق الفلسطينيين.

ويفتح الاعتراف المجال ويشجع دولا اخر لتحذو حذوها حفظا لمصداقيتها ومبادئها، سيما امام شعوبها وبرلماناتها وطلبة جامعاتها، وهذا الاعتراف يشير الى ان اوروبا باتت ترى بان حكومة الاحتلال الاسرائيلي تطمس وتقضي على بقايا امل الدولة الفلسطينية بفعل الاستيطان الاستعماري والحرب الدموية على قطاع غزة من جانب، وانها قادرة على تجاوز الموقف الاميركي في التعاطي مع القضية الفلسطنيية من جانب اخر، وضرورة لجم حكومة الاحتلال، وضرورة انصياعها للقانون والاجماع الدوليين. وان الوقت قد حان لحصول شعبنا الفلسطيني على حقه بالعيش بكرامة وحرية، والحصول على حقوقه المتساوية ووقف التوسع الاستعماري في الضفة الغربية وانهاء حرب الابادة على قطاع غزة، ووضع حد لمعاناة شعبنا وانهائها جذريا.

وبطبيعة الحال، فالمواقف الاوروبية احرجت الولايات المتحدة الاميركية سيما ادارة بايدن الذي لم يكتف ببيان لادانة وشجب طلب استصدار مذكرات التوقيف بحق نتنياهو، بل هاجم شخصيا المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم خان. وجاء موقف النرويج واسبانيا وايرلندا ليعمق من مأزقه السياسي في ظل اقتراب موعد الانتخابات الأميركية ومحاولته الموازنة ما بين مصالح الولايات المتحدة الاميركية وما يدعيه من قيم تتمثل بحقوق الانسان والحريات وعدم قدرته على اقناع الرأي العام الاميركي، الذي بات جزءا منه يرى بأن ادارة بايدن متورطة بالحرب على قطاع غزة عبر تبنيه "بايدن" لاسرائيل ودعمها بالسلاح، وتحدي نتنياهو سرا وعلانية للارداة والرغبة السياسية الاميركية، التي تجلت ابهى صورها عندما اعلن بأن اسرائيل ستقاتل وحدها اذا ما اضطرت الى ذلك او تخلت عنها اميركا. وهذا يعبر عن رغبة نتنياهو برفع سقف الابتزاز السياسي لادارة بايدن واحراجه، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الاميركية، التي يرى فيها نتنياهو طوقا ممكنا للنجاة في حال وصول دونالد ترامب الى الحكم مرة اخرى خلال الشهور الخمسة القادمة. وهي ذات الفترة التي حددتها اسرائيل بشكل اولي للبقاء عسكريا في قطاع غزة. الامر الذي عارضه علنا الرئيس الاسرائيلي يتسحاق هرتسوغ خلال كلمة ألقاها في مؤتمر اقتصادي– اجتماعي في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، معتبرا ان قرار نتنياهو بتقوقع إسرائيل على ذاتها خطر وجودي.

يبدو جليا ان معركة اسرائيل لم تعد مع الشعب الفلسطيني وانما مع شعوب العالم عبر المظاهرات الضاغطة في عواصم دول العالم وفي الجامعات الغربية. وها هي اليوم باتت مع المنظمات الدولية سواء كانت السياسية منها كالجمعية العامة للامم المتحدة، والقانونية كمحمكة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، ودول العالم وخاصة الغربية التي كانت تعتبر حليفا وداعما استراتيجيا لاسرائيل. ناهيك عن ان صمود شعبنا في قطاع غزة، وفشل اسرائيل في كسر ارادة الفلسطيني بالرغم من الاقتطاعات المالية من عوائد الضرائب وقضم حقوق الاسرى، وممارسات المستوطنين وتوسعهم الاستعماري، ومحاصرة المدن والقرى وتقطيع اوصالها وعزلها في كانتونات تفتقد للروابط الجغرافية الطبيعية. وفي حقيقة الامر ان التهديدات الاسرائيلية أفرغت من فحواها وجوهرها وتأثيرها على الفلسطيني، فقد مارست الة البطش الاسرائيلية ابشع انواع الظلم فما الذي سيخشاه الفلسطيني اليوم وما الذي سيفزعه؟؟؟