"من البحر إلى النهر".. صراع الشعار والمصطلح في شركة ميتا
عمار جمهور

مصطلح أو شعار (من النهر إلى البحر) يستخدم ضمن حملات المناصرة الرامية لوقف الحرب على قطاع غزة ومن الشعارات الدارجة في المظاهرات التي انطلقت في العواصم الاوروبية والولايات المتحدة واستراليا. ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة والبلاغات الرامية الى حظر هذا الشعار "من البحر الى النهر" ترد الى شركة ميتا "فيسبوك" لحذف هذا الشعار، والدعوة الى تصنيفه على انه منشور او شعار مثير للكراهية ومعادٍ للسامية.
ولا ارى اي مشكلة في نشر هذا الشعار على موقع "ميتا" فالبرغم من ان البعض يرى ان المصطلح جدلي الى حد ما، ولكنه في حقيقة الامر يعبر عن معاناة الفلسطيني ورغبته في الحصول على الحرية والاستقلال، ويمكن تصنيفه انه مصطلح تلقائي عفوائي لا يهدف القتل او الى رمي اليهود في البحر كما تدعي مجموعات الضفط الصهيونية المناوئة للحقوق الوطنية الفلسطينية. سواء كان ذلك بالانعتاق من الاحتلال الاسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية الموجودة اصلا بفعل الحق الطبيعي والتاريخي، او قد يرى البعض بانه من الممكن المناداة بدولة واحدة ثنائية القومية تضم الشعب الفلسطيني والاسرائيلي.
"من النهر الى البحر" ليس بشعار معادة للسامية باي حال من الاحوال فالتحرر من الاحتلال والحصول على الحرية لا يعني بالضرورة نفي وجود الاخر، فاليهودي وان كان موجودا في ارض فلسطيني قبل قيام دولة اسرائيل فان هذا لا يعطيه الاحقية بنفي الفلسطيني من ارضه ومن الوجود واقتلاعه من ارضه بل هو كان يعيش في فلسطين ويحمل جواز سفرها في حله وترحاله، ومع ذلك فان رفع الشعار من قبل الفلسطيني لا يعني القضاء ونفي وجود اليهودي. ويرى رافعو هذا الشعار انه بمثابة دعوة طموحة من أجل الحرية وحقوق الإنسان والتعايش السلمي، وليس الموت أو الدمار أو الكراهية. ولا يجوز الخلط بين المشاعر المعادية لإسرائيل ومعاداة السامية، ولا يجب ان يكون مبررا لاسكات الأصوات المتنوعة التي تتحدث من أجل حقوق الإنسان.
وحق تقرير المصير من الحقوق التي كفلها القانون الدولي وهو بالتالي حق اصيل للشعب الفلسطيني في الانعتاق من الاحتلال الاسرائيلي وبراثنه، كما ان هذا الشعار يسلط الضوء على القضية الفلسطينية وعلى حقيقة ما يجري من ظلم واضطهاد تجاه الفلسطينيين في ارضهم بفعل الاحتلال الاسرائيلي وخاصة المجازر التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة بعد احداث السابع من تشرين الاول اكتوبر الماضي.
ولا يمكن باي حال من الاحوال التلويح بتهمة معادة السامية في كل مرة حاول فيها انصار الشعب الفلسطيني مؤازرتهم ودعم حقهم في الوجود وفي البقاء على ارضهم التي ورثوها جدا عن جد. كما ان كثيرا من اليهود متضامنون مع القضية الفلسطينية ومدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، فالموقف ليس تجاه اليهود كديانة وانما الموقف تجاه النظام السياسي الذي يمارس الاحتلال والعنصرية والتطرف وقضم الحقوق الوطنية المشروعة.
وتماشيا مع سياسات إدارة المحتوى فان هذا الشعار لا يحمل اي بواعث ارهابية ولا بواعث معادية للسامية لان تعنت اسرائيل ورفضها للانصياع لقرارات مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للامم المتحدة باقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على الحدود العام 1967. ورفضها رسميا لحل الدولتين تريد السيطرة على فلسطين الانتدابية من النهر الى البحر بما في ذلك الارض المحتلة على 1967. وعدم منح الفلسطينيين حقوقهم في دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة. يرى البعض ان اقامة دولة واحدة ديمقراطية لكل مواطنيها كما ذكر سابقا قد يكون الاحل الانسب.
وبالرغم من أن الغالبية في المجتمع الدولي ينادي بحل الدولتين، لكن في حقيقة الامر فان عقودا من التوسع الاستيطاني الاسرائيلي جعلت من واقع حل الدولتين صعبا وقد يكون مستحيلا. كما ان المستوطنين الاسرائيليين طمسوا الخطوط الفاصلة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يعيش نصف مليون مستوطن في المستوطنات، فيما يؤيد كثيرون في الحكومة الاسرائيلية المتطرفة ضم الضفة الغربية، ولا تذكر الخرائط الحكومية الرسمية في اغلب الاحيان اي اشارة الى حدود الخط الاخضر بين المنطقتين. وكرر حزب رئيس الوزراء الاسرائيلي "الليكود" انه ما بين نهر الاردن والبحر الابيض لن يكون هناك سوى السيادة الاسرائيلية. وان إنشاء دولة فلسطينية يعرض أمن السكان اليهود للخطر ويعرض للخطر وجود دولة إسرائيل.
وكانت سفيرة إسرائيل لدى المملكة المتحدة، تسيبي هوتوفلي، من بين المروجين للاعتراف الدولي بالمطالبة التاريخية اليهودية بالأراضي من النهر إلى البحر. وهذا ما يفسر الفعل الاسرائيلي الميداني بتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وذلك في محاولة جادة لفرض حقائق على الارض من قبل اسرائيل تمتد من نهر الاردن الى البحر الابيض تجعل من إقامة دولة مستقلة امرا مستحيلا، وخاصة بعض ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية من قتل وهدم واحراق وتدمير بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وفي حقيقة الامر فان شعار من البحر الى النهر شعار يطالب بالعدالة والمساوة للجميع في مواجهة العنصرية الاسرائيلية تجاه من هو غير يهودي. كما انه يعتبر دعوة للسلام والمساوة بعد 75 عاماً من قيام الدولة الاسرائيلية والحكم العسكري الاسرائيلي المفتوح الذي دام عقودا على ملايين الفلسطينيين، حيث انه لا يوجد شبر ابو بوصة من الارض بين النهر والبحر يتمتع فيها الفلسطينيون بالحرية والعدالة والمساواة، وهذا مبرر لتكرار هذا الشعار. وبطبيعة الحال فان دعاة الفصل العنصري والتفوق اليهودي سيجدون ان هتافات المساوة والعدالة والحرية مرفوضة قطعيا.
والحرية هنا تشير بطبيعة الحال الى ان الفلسطينيين محرومون من إعمال حقهم في تقرير المصير منذ أن منحت بريطانيا اليهود حق إقامة وطن قومي في فلسطين من خلال وعد بلفور عام 1917. فجوهر القضية ما زال يتمثل بحرمان الفلسطينيين المستمر من حقهم بالعيش في مساواة وحرية وكرامة مثل أي انسان آخر في اي مكان حر وكريم على هذه الأرض.
مواضيع ذات صلة
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور