عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 أيار 2024

بعد رئيسي.. هل ستغير ايران سياستها الخارجية؟

باسم برهوم

بعيدا عن الغوص في نظريات المؤامرة وما إذا كان ما حصل لطائرة الرئيس الايراني إبراهيم رئيسي هو حادث بسبب قدم الطائرة او بسبب الضباب الكثيف او انه حادث مدبر ضمن التيارات المتصارعة داخل ايران، بعيدا عن ذلك، فإن غياب رئيسي ووزير الخارجية اللهيان بالتأكيد سيقود لتغير ما في السياسة الخارحية الإيرانية، بالتاكيد ليس تغيرا جوهريا لان من يتحكم في وضع السياسات الاستراتيجية هو المرشد الأعلى خامنئي. ولكن ومن خلال التجربة فإن السياسة الخارجية الإيرانية كانت تتغير من منحى لآخر حسب التيار الذي يقود الحكومة او انطلاقا من مصلحة ايران من مرحلة لأخرى، فعندما كان التيار الاصلاحي يفوز منذ الرئيس خاتمي نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، كانت ايران تميل للحوار مع الغرب وبالتحديد مع الولايات المتحدة، والعكس كان يحصل مع فوز التيار المحافظ، الذي يعتبر رئيسي احد صقوره.

لا يخفى على احد ان تيارين سياسيين كانا طوال الوقت يتصارعان على السلطة وتوجهاتها ولكن تحت عباءة المرشد، التيار الذي يطلق عليه الاصلاحي وكان زعيمه التاريخي الرئيس رفسنجاني، وهناك تيار المحافظين المتشددين، وهو التيار الأقرب لتوجهات المرشد خامنئي. وبهدف توضيح الامور فان الفارق بين التيارين هو فارق نسبي ولا يصل الى حد اعتباره تناقضا اساسيا، وانما يتعلق بهوامش السياسة الداخلية والخارجية. فالتيار الاصلاحي يميل الى مزيد من الانفتاح وإعطاء مساحات ديمقراطية واجتماعية اوسع على الصعيد الداخلي، اما على الصعيد الخارجي فإن التيار الاصلاحي يرغب اكثر في طي الملف النووي ورفع العقوبات او معظمها على الاقل، ولا يرغب هذا التيار بتمدد المشروع الايراني في المنطقة بشكل يستفز الغرب والدول العربية والاقليمية. وبالتالي هو اقل حماسا على التبني المتشدد لمحور المقاومة او الا يؤثر دعم هذا المحور على الانفتاح مع الغرب وعلى واشنطن على وجه الخصوص.

وربما من المهم التذكير بأن الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1978 ضد الشاه كانت عبارة عن خليط من تيارات سياسة وايديولوجية تمتد من حزب تودا الشيوعي اليساري الى رجال الدين بزعامة الخميني، مرورا بالقوميين ومجاهدي خلق، وتيار تجار البازار وغيرهم. وبالمناسبة فإن رفسنجاني كان من المقربين لتجار البازار لذلك كان تياره البراغماتي اميل للانفتاح.

وحتى داخل رجال الدين فقد كان هناك تيارات مختلفة يقف الخميني في وسطها. وكان على يساره طالقاني المقرب من اليسار، وهناك منتظري الذي كان احد اهم المنافسين لزعامة الخميني، الذي وضع قيد الاقامة الجبرية لأنه عارض فكرة ولاية الفقيه بالرغم انه كان اكثر المرشحين لمنصب المرشد بعد الخميني، وهناك شريعتمداري الذي يمثل التيار الشيعي التقليدي، فهو وان دعم الثورة لكنه كان ضد ان يتولى رجال الدين الشيعة السلطة الزمانية.

ولكن ومع مرور الوقت وبعد وفاة الخميني وتسلم خامنئي منصب المرشد للجمهورية الاسلامية والمحسوب على التيار المحافظ، تم تقليص نفوذ الاصلاحيين بالتدريج، بالتعاون مع الحرس الثوري وضرب كل الأصوات المعارضة. وخامنئي نفسه لم يكن قادرا على تعزيز سلطته بدون الحرس الثوري القوة الحقيقية في البلاد، الذي تعتبر مؤسساته الامنية والاقتصادية وعلاقاته الممتدة في الاقليم بمثابة دولة داخل الدولة، بل هو الممسك فعليا بالدولة.

ومهما كانت ظروف سقوط الطائرة المروحية التي كانت تقل رئيسي فان ما يهمنا ان كان هذا التطور سيؤثر على السياسة الخارجية، ويكون ذلك الحدث تمهيدا لتغيير بعض توجهات طهران حيال المنطقة والعلاقات مع الغرب. ولكن رحيل رئيسي ووزير خارجيته اللهيان سيؤثر سلبيا على التيار المتشدد. فالرئيس رئيسي كان طوال الوقت احد صقور هذا التيار ومن اكثرهم تشددا سواء تجاه المعارضة الداخلية او تجاه مفاوضات الملف النووي الايراني.

علينا ان ننتظر لنرى ان كان غياب رئيسي هو غياب رجل أم غياب للجناح الأكثر تشددا في المحافظين.