عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 أيار 2024

فلسفة التضحية والفداء لدى الفلسطيني

عمار جمهور

بالرغم من الالم والمعاناة التي تسببها كل ادوات القتل والدمار الصهيونية الا ان الفلسطيني ما زال صامدا مدافعا عن وجوده وعن ذاته وقيمه ومبادئه، اينما وجد في الضفة وغزة ومخيمات اللجوء وفي كل أماكن تواجده في انحاء العالم. وكان لصدى حرب الابادة الإسرائيلية على القطاع اثره البالغ في اعادة هندسة الرأي  العام الغربي لصالح الرواية الفلسطينية. وكان من ابرز عوامل نجاح السردية الفلسطينية هي اسطورة الفلسطيني الاعزل، الذي يواجه الة القتل الاسرائيلية بصبر وثبات وعنفوان قل نظيره، ليسجل علامة فارقة في تاريخه النضالي،ويضيف صفحة مشرقة ومشرفة كتبت بنبل تضحياته ومعاناته، التي انغرست في اذهان شعوب العالم التي سمعت ورأت فظاعة ما مارسه دعاة الحضارة الغربية ورأس حربتها "اسرائيل".

للملاحظ ان يرى انه منذ العدوان الحربي الاسرائيلي على قطاعغزة ما زالت معنويات الفلسطيني مرتفعة بالرغم من الالام والمعاناة التي حلت به. وللتعمق اكثر في تغطيه وسائل الاعلام وللنظر بعمق الى ما هو تحت السطح، فثمة ما يجب تسليط الضوء عليه وتدارسه والتأطير نظريا له لكونه سيكون جزءاً من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني في مقارعة الاستعمار الاحلالي الاستبدالي، كونه يشكل نماذج مختلفة من الفداء والضحية بالنفس، الاسر، الحصار، التجويع، الترهيب والترعيب.... الخ في محاولة لكسر ارادة هذا الشعب وصموده الاسطوري.

والتأمل في صورة الفلسطيني الذي يحضن اشلاء ابنائه محتسبهم شهداء بكل صبر وجلد، يقود الى التفكير في ماهية هذا الانسان العملاق الذي لا يجزع ولا يفزع ولا يخاف، مقدما كما هائلا من مشاعر الرضا والطمأنينة مغلفة بالصمود والتصدي والبقاء حتى اكتمال اخر مشهد من شريط حياته. هذا كله يعبر عن جلد نفسي عميق، مستمدا من طاعة الله والبواعث الوطنية في الذود عن الوطن والارض. القضية ليست عاطفية بامتياز وانما عقلية ايضا، فسواء كانت الطاعة للخالق جل وعلا او طاعة العقل، فالطاعة هي اقل الوسائل الما واضمنها للنجاة والراحة، كونها تحقق الاتساق والوحدة والتوازن بين غايات الانسان ورغباته، وهذا التبرير الهام والاساسياعتمده جورج سانتيانا في فلسفة علم الجمال، عندما قال" لانه ما من (مضحي) كان يقبل العذاب لو لم يؤمن بأن قوى الطبيعية وفق المقاييس الفلسفية "قدرة الله" ستقف الى جانبه وتنصفه يوم القيامة". والفلسطيني بطبيعته مؤمن جدا بالعدالة الربانية وان غابت عدالة الارض.

العقل الفلسطيني "تحت الاحتلال" اشبه بدولة مليئة بالاضطرابات ولذلك لا يمكن للقوانين التي تسعى الى تحقيق اكبر قدر ممكن من الخير ان تسود فيها القيم الوطنية بدون تضحية، وهنا يأتي الفلسطيني ليتمركز في لب هذه الاخلاقية الفريدة في التاريخ الحديث سواء تمثلت بقيم "الحرية، العدالة، الاحقية، الاستقلال......الخ، التي تحتاج الى تنظير فكري عميق موازٍ لهذه التضحيات، وعدم الاكتفاءبالتطرق الى ذلك بالطابع الاخباري او التحليلي، وانما بعمقابستمولوجيا"معرفي".

الفلسطيني يستجيب فطريا الى صوت العقل جنبا الى صوت القلبوبامتزاجهما ببعضهما البعضيتم تحقيق الانسجام المطلوب، وتحقيق الرضا والسعادة في مجابهة القوى النافرة المتعددة غير الهينة او الطيعة، التي تحاول ان تناوئ صوت العقل وترفض الخضوع له، لذلك يسميها العقل المؤمن بقوى الشر في الصراع الازلي الابدي ما بين الخير والشر. وجوهر السعادة هنا يأتي من اتساقها وانسجامها مع الخير الفطري في جوهر الانسان الفلسطيني الذي اتسم بالبساطة والامل.

يستمد الفلسطيني قوته من غريزة البقاء،ويشتعل نشاطه المفعم الواعي المتحلي بالشجاعة والحماسة المشحونة فكريا "تعبويا" وعاطفيا، ليحافظ على وجوده بالرغم مما حل به من كوارث ونكبات ونكسات. رغبات الفكر الملحة ترجع الى رغبات لحل التناقض الذي تجد الذات نفسها فيه، فالروح تريد ان ترتد الى الوضع الطبيعي للروح، وترغب ان تسمو وترتقي فوق الحواس والجوارح. وفوق الاستدلال بمعنى اخر فوق المعرفة الواضحة المباشرة، وهي الحقيقة التي يحاول الفلسطيني ايصالها للعالم في جوهرها وطابعها، التي تسمو وترتفع فوق  الادراكات والاحساسات، حيث ارتبطت فكرة الصبر وما زالت في يوميات الفلسطينيبفكرة المجد التي تتطلب التضحية الواعية،والقيام بدور تراجيدي في الدفاع عن الذات وسموها ورفعتها.