نهابون منذ البداية
باسم برهوم

بعد أن شهد العالم حرب الإبادة البشعة والوحشية على قطاع غزة، يزداد الحديث عن السقوط الأخلاقي لإسرائيل، والحديث هذا انتقل من الشارع إلى حديث رسمي للدول والحكومات، وكثير من المسؤولين في العالم يحاولون إنقاذ إسرائيل من نفسها، من انزلاقها الأخلاقي السريع، خصوصا أن نتنياهو يرهن مستقبله السياسي بنتائج هذه الحرب، وفي سياق ذلك هو لا يأبه بالحديث عن السقوط الأخلاقي، فهو يرى الأمور من خرم إبرة مصالحه الضيقة.
وبغض النظر عن اللحظة الراهنة التي تقف فيها إسرائيل عارية أمام الرأي العام، فإن الدولة العبرية سقطت أخلاقيا مع لحظة تأسيسها عام 1948، فاليهود الذين كانوا يكافحون من أجل المساواة وحقوق الإنسان في أوروبا، كما كانت تزعم الحركة الصهيونية، سقطوا في أول اختبار عندما قاموا بأوسع وأبشع عملية تطهير عرقي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث، وبدل أن ينقلوا ثقافة المساواة التي طالما كانت هدفا إنسانيا ضد الاضطهاد، نقلوا العنصرية التي طالتهم في أوروبا.
التقارير الإسرائيلية، السرية والعلنية، تحدثت عن عملية نهب كبرى لممتلكات الفلسطينيين المنقولة وغير المنقولة، ولم تكن عملية النهب محصورة بفئة محدودة أو بأعمال فردية إنما شارك بها جموع إسرائيلية بأكملها، جنود وضباط، وشرطة عسكرية، ومدنيون رجال ونساء، وحتى الأطفال، بالإضافة للعديد من المؤسسات، جميعهم تحولوا إلى جيش من اللصوص، ونهبوا بيوت الفلسطينيين ومحالهم التجارية ومعاملهم ومزارعهم، لشهور عدة خلال ما سموها بـ"حرب الاستقلال" إلى درجة أن المدعي العام الإسرائيلي أبرهام غورلي قال في حينه: "إنهم لا يحتلون أرض إسرائيل (..!!) بل ينهبونها".
وبالرغم من كل محاولات الإخفاء والتستر فإن الأرقام تفيد بأن آلاف المحلات التجارية، وعشرات آلاف المنازل والمباني قد تم السطو عليها ونهبها، مئات آلاف من الأطنان كانت تنهب، وتحمل على شاحنات مدنية ومدرعات عسكرية. مجتمع بأكمله تورط في عمليات نهب أملاك الفلسطينيين.
وبخصوص نهب 440 قرية فلسطينية، شرد منها أهلها كتب موشية سيلانسكي بعد أشهر من الحرب "اجتاح الجنون جميع السكان (اليهود) من أفراد وجماعات وكيبوتسات. رجال نساء أطفال انقضوا جميعا على الغنائم، نهبوا كل شيء وخلعوا الأبواب، والنوافذ، والأطر الخشبية، والعتبات، والطوب، والقرميد، والبلاط والأرضيات، والخردة، أيدي هؤلاء ملطخة بالنهب".
لقد تنقلت عملية النهب المنظمة والمنهجية، من مدينة طبريا أول المدن الفلسطينية التي سقطت بأيدي العصابات الصهيونية، إلى حيفا والقدس ثم يافا واللد والرملة وبئر السبع، وأكثر من 550 قرية وبلدة. كما نهبت المساجد، والكنائس، ودنست بأبشع أساليب التدنيس، نهبت الأديرة بما فيها من قطع أثرية وفنية وذهب، وفضة، وملابس رجال الدين. المساجد جرى سرقة أبوابها ونوافذها وما فيها فيها من سجاد وبسط، لم تنج كنيسة ولم ينج مسجد من السطو والنهب.
كل عمليات النهب كانت بشعة. ولكن أكثرها بشاعة تلك التي جرت في حي القطمون في القدس. حيث كانت أكثر العائلات الفسطينية الأكثر ثراء وغنى، تم نهب الحي على امتداد شهور، نهبوا الآلات الموسيقية، ثريات الكريستال، الأثاث الراقي من خشب الهماغوني والسجاد والمكتبات. لقد دخلوا البيوت وكان لا يزال الطعام على الموائد، أكلوا ونهبوا الملابس والمجوهرات، الصحون والكؤوس، أجهزة الراديو الضخمة، وفي الحي نفسه ذكرت تقاريرهم كيف حافظ الفلسطينيون قبل عدة أسابيع على منازل جيرانهم اليهود، عندما طلبت إليهم الهاغاناة المغادرة في بداية الحرب، حفاظا عليهم، لقد قام الفلسطينيون بحراسة وحماية منازل جيرانهم اليهود ولم يمسوا منها أي شيء.
لقد سقطت إسرائيل أخلاقيا من اللحظة الأولى لتأسيسها، سقوط سياسي، سقوط قيمي وفكري، فقد كانت تطهر عرقيا وتنهب بيد، وتقتل الشعب الفلسطيني باليد الأخرى.
في يافا سرق أفراد منظمة "الأيتسل" وهم أول من بدأ النهب في أكثر المدن الفلسطينية حداثة وتطورا، ثم تبعهم جنود وضباط "الهاغاناه"، وجاء اليهود المدنيون من تل أبيب وكل التجمعات اليهودية المحيطة بالمدينة التي فرغت من سكانها الفلسطينيين. ربما ما يراه العالم اليوم بالصوت والصورة من سقوط أخلاقي لإسرائيل لم يستطع رؤيته في نكبة عام 1948 بسبب فارق تطور الإعلام، ولكن وبعد أن رأى العالم بأم عينه ما رأى من همجية إسرائيل هل سيواصل دفن رأسه بالرمل تجاه الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، ويواصل دعم منتهك القانون والأخلاق…!!؟
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل