المعلومة الأمنية وشراك هذه الوسيلة الإعلامية
سؤال عالماشي- موفق مطر

سألني: هل تستخلص أجهزة أمن واستخبارات منظومة الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك الدولية، معلومات أمنية هامة مما تبثه وسائل الإعلام ؟! فأجبته : إن الاستخبارات الدولية تتحصل على ما نسبته 70% من المعلومات من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وبشكل ملحوظ من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتدفق المعلومات بلا رقيب أو ضابط، أو مهنية، أو فلسفة وطنية، فالجميع يتسابق للفوز بأولوية النشر (السبق الصحفي) دون تقدير لخطورة المادة المنشورة أو المبثوثة أو المذاعة، وتداعياتها على الأمن الوطني، والمجتمعي، والسلم الأهلي .. وقد ثبت للجمهور قدرة وسائل إعلام تحظى بنسب مشاهدة ومتابعة عالية على اختراق مجال جماعات وكتائب وفصائل فلسطينية، عبر برامج وتقارير مثيرة من حيث الإعداد والإخراج، لكنها خطيرة بسبب دسم المعلومات العالي، وحصول الوسيلة الإعلامية بسهولة على مفاتيح الصناديق السوداء، تحت إغراء تبني (الوسيلة) لسياسة وأعمال المُستهدَف، الذي سرعان ما يسقط في فخ الاطمئنان الذي يقوده إلى الغفلة، المقدمة الطبيعية للكارثة، ورغم تعدد الكوارث الناتجة والخسائر البشرية والمادية الهائلة، والسقطات التي غالبا ما تكون نتيجتها انكسارا في عظام الرقبة أو حتى في العمود الفقري، أو حتى مركز الدماغ، فإن غلبة الرغبة عن جماعات وفصائل بتمرير الخطاب، واجتياح بصائر الجمهور بصور ومعلومات دقيقة عن قصد أو بدونه، ما زالت حتى اللحظة مسيطرة على نمط التعامل مع وسائل الإعلام، وهكذا تتوالى حلقات مسلسل اصطياد الأهداف، بعد بضعة أيام فقط أو أسابيع على نشر التقرير أو بث البرنامج ! والأمثلة كثيرة في حالتنا الفلسطينية، حيث لعبت (فضائية عربية هامة) هذا الدور بعناية ومهارة فائقة، حيث تتلقف أجهزة استخبارات المنظومة الصهيونية والأميركية وغيرها كل كلمة وكل لقطة، وتخضعها للتحليل الاستخباراتي، أما معظم الجمهور فاهتمامه منصب على المعلومة، وتفاصيل الحدث الدقيقة، ومايرافق العرض من إثارة بصرية، ولقطات ومشاهد (أكشن)، وبذلك تكسب الوسيلة في الحالتين، الأولى : تجميع المعلومات المطلوبة لمكتب الغربلة والفحص والتقصي الاستخباراتي، والأخرى : الحصول على أعلى نسب مشاهدة، بما يمكنها من الترويج للجماعات، التي تطمح وتطمع بأخذ مساحات مهمة في برامج الوسيلة، وهذا طبعا لصالح الوسيلة ومن يقف وراءها، والحاصل على زبدة المعلومات الأمنية في نهاية المطاف (السي آي إيه)، أي الاستخبارات الأميركية المتعاونة استراتيجيا مع الموساد الإسرائيلي .. أو بالعكس، حسب اتجاه سير المعلومة، ومصدرها.
لقد دفعنا أثمانا باهظة نتيجة اختراقات أمنية عبر وسائل إعلام ظاهرها مع حقنا وقضيتنا، لكن باطنها عكس ذلك، ولا نحتاج هنا للإشارة إلى وسيلة بعينها، فهذه الوسائل باتت أكثر من عدد مناصب الخضرة في (الحسبة)، ومعظمها تستغل معاناتنا ومآسينا، وتتخذ من صور نكبتنا الأحدث مادة مربحة، والأفظع وجود أشخاص بمسميات مثل محلل سياسي أو خبير استراتيجي، لا نراه إلا متكسبا، ومغتنيا من أموال الوسيلة، التي ينطق بما تريد وليس بما يرى، وبما يحدثه ضميره، وبما يستخلصه عقله، وبذلك تضرب هذه الوسائل عصفورين بحجر، فهي من ناحية تخترق أمن جمهورها، وبذات الوقت تضللهم، رغم زخم وكثافة الصور، والتواجد السريع في أماكن الأحداث، والنقل المباشر، وغالبا ما يكون المراسل والمصور ضحايا (الوسيلة) كالجمهور أيضا، فالصحفي في الميدان مسؤول أيضا، وليس عليه إلا الوقف والتأمل والتفكير قبل النطق بكلمة، وقبل التصوير، ليقرر ماذا يجب أن يفعل، ونعتقد أن الوطنية الممزوجة بالمهنية بنسب متساوية ستمكن الصحفي الفلسطيني من تجسيد رسالته المهنية بأعلى مستوى من الأخلاقيات الشخصية والوطنية .. حتى لا يقع ولا يساهم بإيقاع الجمهور في شراك (هذه أو تلك) الوسيلة الإعلامية.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل