أقل من جمهورية موز
نبض الحياة- عمر حلمي الغول

ما زالت تتدحرج المواقف المتباينة، وتتسع الهوة بين حكومة نتنياهو وإدارة بايدن وممثلي الحزب الديمقراطي الأميركي نتاج تعنت رئيس حكومة الحرب الإسرائيلية، وعدم استجابته للرؤية الأميركية في التعاطي مع تداعيات حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة خصوصا والشعب الفلسطيني عموما، حيث يُّصر بيبي على خياره في اقتحام مدينة رفح، وتضييق الخناق على إدخال المساعدات الإنسانية، ومضاعفة اعداد الشهداء والجرحى والمفقودين الفلسطينيين نتاج عمليات القصف البري والبحري والجوي وحرب التجويع والامراض والاوبئة ونقص المياه الصالحة للشرب، وانعدام الحد الأدنى من مقومات الحياة في القطاع.
واتساع الاختلاف ليس على بقاء دولة إسرائيل، وحمايتها من نفسها أومن الفلسطينيين، انما على منهجية رئيس وزراء الحرب وحكومته الأكثر فاشية، حتى لا يذهب البعض بعيدا في قراءة حدود الاختلاف، وهذا ما عكسه تشاك شومر، رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي في كلمته أمام المجلس يوم الخميس الماضي 14 مارس الحالي، وجاء فيه "يتعين على إسرائيل إجراء تصحيحات كبيرة في المسار "لتحقيق سلام دائم مع الفلسطينيين". وأضاف "رفض إسرائيل لحل الدولتين خطأ فادح، حل الدولتين هو فقط الحل الواقعي والمستدام"، وهذا موقف إيجابي وجديد لزعيم الأغلبية اليهودي شومر، وأحد ابرز الداعمين لها، وتابع معمقا ما صرح به الرئيس بايدن في خطاب "حال الاتحاد" وفي مقابلاته الصحفية قبل عشرة ايام، وعاكسا موقف الاتجاه الديمقراطي داخل الحزب، الذي يمثله بيرنيساندرز واقرانه، عندما دعا الى "ان انتخابات جديدة (في إسرائيل) هي الطريقة الوحيدة لإفساح المجال أمام عملية اتخاذ قرارات سليمة ومفتوحة بشأن مستقبل إسرائيل، في وقت فقد الكثير من الإسرائيليين ثقتهم برؤية حكومتهم وإدارتها". ولصب الزيت على النار التي تأكل رصيد ومكانة نتنياهو، قال شومر "نتنياهو ضل طريقه، وهو عقبة كبيرة أمام السلام، ولقد خضع في كثير من الاحيان لمطالب المتطرفين". وأردف "تحالف يقوده نتنياهو لم يعد يلبي حاجات إسرائيل بعد السابع من أكتوبر". وعمق فكرته "إذا استمرت حكومة نتنياهو في السلطة بعد الحرب، يجب على اميركا أن تعمل بشكل أكثر فاعلية لتحقيق السلام الشامل". وهو ما يعني استخدام أوراق القوة الإضافية باليد الأميركية ضد نتنياهو وحكومته.
كلمة زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تعكس تحولا إيجابيا ولافتا للنظر، في تركيزه على ضرورة الذهاب لحل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967، وهو ما يعكس الاقتراب من الموقف الفلسطيني، ويبتعد عن رؤية حكومة الحرب الإسرائيلية بقيادة زعيم الليكود، الرافض من حيث المبدأ فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، او الحديث عن الحل السياسي، مدعيا ان ذلك يخدم حركة حماس، وكأن حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني لليوم 164 موجهة ضد فصيل بعينه، مع ان وقائع حرب الأرض المحروقة تؤكد لكل ذي بصيرة، انها حرب ضد كل ملمح من حياة الشعب الفلسطيني، وتستهدف الأطفال والنساء والشيوخ والشباب الأبرياء، وطالت ما يزيد على 72% من نسبة الضحايا، الذين لا علاقة لهم بحماس.
وشكلت مواقف شومر صدمة في أوساط الائتلاف الإسرائيلي الحاكم بدءًا من نتنياهو وحزبه "الليكود"، مرورا باقطاب الائتلاف وخاصة حزبي الصهيونية الدينية، بزعامة سموتريتش، وحزب القوة اليهودية بزعامة بن غفير، ومن لف لفهم، الذين صرخوا بصوت واحد في أوقات متباينة في ردود فعلهم، حيث أعلنوا "ان إسرائيل دولة ديمقراطية مستقلة"، وهي ليست "جمهورية موز"، وتناسوا انها أقل من جمهورية موز. لان جمهوريات الموز اللاتينية الأميركية، دول ذات تاريخ نكبت بالسيطرة الأميركية عليها، وقاومت من اجل استقلالها وسيادتها على شعوبها ومواردها وثرواتها ودولها.
لكن إسرائيل دولة لقيطة، صنعها الغرب الامبريالي كأداة وظيفية لخدمة مصالحه الاستراتيجية في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط الكبير. ومهما علا شأنها فهي في بقائها رهينة الدعم الأميركي والغرب الأوروبي الرأسمالي، وليس مسموحا لها تجاوز حدودها. وفي حال جفف الاميركيون والاوروبيون المساعدات لها، ورفعوا الغطاء عنها، فلن تبقى ساعة واحدة واقفة او موجودة. ولنا مثال صارخ قبل 164 يوما مع اشتعال حرب الإبادة في السابع من أكتوبر، عندما فقدت البوصلة، بينما التقطت أنفاسها مع وصول حاملات الطائرات والغواصات والبوارج والقوات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها.
وارتباطا بما تقدم، فعلى نتنياهو وأركان حكومته الفاشية النزول عن شجرة المكابرة والمغالاة، والاعتقاد انها ستبقى محمية من الملاحقة والمساءلة في حال تمادت في تمردها وغيها المجنون على القرار الأميركي. نعم الغرب بكل مكوناته يريد بقاء وديمومة إسرائيل، ولكن وفق رؤيته وبما يخدم مصالحه، وليس مسموحا لاي حكومة إسرائيلية تجاوز حدودها والسقف السياسي والعسكري الممنوح لها. لأنها ستدفع الثمن بالسقوط او بتأجيل المساعدات العسكرية والمالية واللوجستية مما يعمق من ازماتها ويدفعها للانهيار لاحقا.
[email protected]
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل