عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 آذار 2024

الميناء البحري!

تغريدة الصباح - حسن حميد

بلى،بات من السذاجة الحقّة، أن نصدّق الغرب إن قال: الحليب أبيض، لكثرة ما عرفنا من كذبه الأسود، وبات من السذاجة الحقّة أيضاً أن نفحص كلّ شأن وكلّ رأي، وكلّ عمل يقوم به الغرب تجاهنا لنرى ما إن كان فيه خير أم لا، وذلك لكثرة حالات الزيف والمراوغة وتعدد الأقنعة التي عرفها الغرب حين يتحدث عن نياته الخيرة تجاهنا، فنحن لم نعرف مثل هذه النيات سابقاً، ولا لاحقاً، ولا الآن ! الغرب كان ، وفي تصرفاته وتمظهرات أفعاله، ومنذ 76 سنة على احتلال الإسرائيليين لبلادنا الفلسطينية العزيزة، هو الحامي، والناجد، والمعاون،  والشريك للكيان الإسرائيلي في كلّ أفعاله الشائنة وممارساته الدموية، الغرب كان شريكاً للإسرائيليين في احتلال الأراضي الفلسطينية حين أصدر وعد بلفور (1917)، وحين جعله شرعة دولية (1922)، وحين سلّحهم بأحدث الأسلحة وأحسنها، وحين سكت على تجاوزاتهم التي اقترفوها بحقّ الفلسطينيين منذ مجزرة دير ياسين (نيسان 1948) وحتى المجازر التي يقترفها في مخيّم جباليا، ومخيّم جنين، وخان يونس، وبيت لاهيا، وخزاعة الآن.

أقول هذا، لأنّ بعض الواهمين يكتبون عن نيّات الغرب الحسنة الخيرة، بعد أن أعلن ولأول مرّة عن إقامة ميناء مؤقت قرب شواطئ غزة من أجل إيصال المساعدات للفلسطينيين الذين هجّروا وشرّدوا عشرات المرات، خلال 5 شهور فقط، داخل قطاع غزة، داخل مساحة جغرافية لا تتعدى ال 365 كم2، ويقول هؤلاء الكتّاب، ها هي النية الحسنة تبدو في أفعال المساعدة أهل غزة، والحقّ ليس في هذا القول بارقة صدق، لأنّ شاحنات المساعدات تقف قرب معبر رفح منذ شهور خمسةأيضاً، وهي لا تدخل إلى قطاع غزة لأنّ الإسرائيلي يريد للفلسطينيين أن يموتوا جوعاً، بعد أن قتلهم رصاصه في بيوتهم التي دمرها فوقهم، وقتلهم في مشافيهم  التي أغلقت أو دمّرت أو صارت مقابر؛ أجل، من السذاجة الجلية أن نسلّم بأنّ الغرب عاجز عن إدخال السّيارات التي تحمل المساعدات للفلسطينيين، أو أنّ الإسرائيلي يمنعه من تنفيذ نيته الخيرة بدخول هذه المساعدات براً كي لا يموت الأطفال الفلسطينيون تجفافاً، وعوزاً للأدوية، وكي لا تلد الحوامل الفلسطينيات في الشوارع، وفوق عربات الكارو التي تجرها الدواب،وكي لا تبتر أقدام  الفلسطينيين وأذرعهم من دون مخدر!
الغرب مجتمعاً شريك للإسرائيليين في هذه الجريمة، في هذه المذبحة، في هذه المقتلة المستمرة منذ شهور خمسة وأزيد، وما من كلمة حقّ ينطق بها الغرب، وما من فعل يستبطن نيّة خيرة، وما من طيفلروح أخلاقية يمكن أن نصفهابالإنسانية.
الغرب متعاوناً، وعبر ماتتناقله الأخبار، يريد بناء ميناء بحري لإدخال المساعدات الغذائية لأهالي قطاع غزة ، خلال شهرين قادمين، وبعد شهري البناء ستصل وجبات يومية للفلسطينيين ليعيشوا يوماً بعد يوم، ريثما تقتلهم القنابل والصواريخ الإسرائيلية، لأنّ الغرب كلّه عاجز عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، أيّ فعل أخرق هذا، وأيّ سذاجة هذه التي يراد لها أن تكونالحقيقة الوحيدة أو قل المعجزة الوحيدة التي استطاع العقل الغربي أن يشتقّها.
أقول سذاجة، لأنّ إقامة الميناء البحري على شاطئ غزة وبحراسة غربية، وتعاون غربي، يعني موافقة الإسرائيليين على هذا الفعل، وقد وافقوا فعلاً ، ترى لماذا لم يوافق الإسرائيليون على دخول شاحنات المساعدات من المعبر البري في رفح، وسمحوا بإقامة ميناء بحري سيكلف الكثير من المال، وما هي الغايات وراء ذلك، أهي تجميل لصورة الغرب والكشف عن نيّاته الأخلاقية ، والإنسانية، والعاطفية! أم أنّ نيّاته لها علاقة بإذلال الشعب الفلسطيني،أمام الاسرائيليين، في مشهدية أليمة تبديها شاشات التلفزة وهم يأخذون وجبات طعام تبقيهم على قيد الحياة يوماً بيوم مثلما يحدث للمساجين والمعتقلين في سجونهم ومعتقلاتهم، أم هي غاية لتهجير الفلسطينيين عبر البحر بعدما رفضت مصر استقبال الفلسطينيين المهجّرين من ديارهم الى بلدات سيناء ومدنها،أم هي البداية الفعلية لانشاء قناة البحرين البديلة عن قناة السويس، أم هي رأس القاعدة التي ستتولى استخراج الغاز من بحر غزة!
بلى، علينا أن نشعل قناديل الفطنة، ونرفض ضغوط الغرب ونيّاته أيضاً، لأن ليس فيها سوى ما لا نحبّه وما لا نرغب به، وما لا يتناسب ودماء شهدائنا الذين بلغ تعدادهم ما لم تبلغه إحصاءات كلّ المواجهات مع المحتل الإسرائيلي  منذ عام 1948 وحتى هذه الساعة، فالميناء خدعة، وقناع، وزيف، وكذب، وشرك، ومقتلة جديدة، ومحاولة بادية لتهجير آمن للفلسطينيين تحت مسميات وصفات وذرائع كثيرة، ولا يستبعد الظنّ بأنّ الغرب يريد أن يبقي 100.000 مواطن من أهالي غزة فقط كما يريد الإسرائيليون، كما لا يستبعد الظنّبأنّ دول الغرب توافقت على أعداد مفقّطةللفلسطينيين الذين من الممكن لهم أن يصلوا إلى أراضيها.
لقد اعتدنا، وصفحات التاريخ منشورة أمامنا، على انحياز الغرب للإسرائيليين، مثلما اعتدنا على دفاعه عنهم، وفي كل أنحاء الدنيا، ومثلما اعتدنا أن يفكّر الغرب نيابة عن الإسرائيليين لكي يخرجوا من أزماتهم، ومثلما أعتدنا على أن يزوّد الغرب الإسرائيليين بالأسلحةعبر أساطيل مهولة نشطة جواً وبحراً، وربما براً أيضاً، ومثلما اعتدنا أن يقوم الغرب بتجميل صورة الإسرائيليين الذين لا عمل لهم منذ 76 سنة، سوى قتل الفلسطينيين وتشريدهم، وإخافتهم، واعتقالهم، وترهيبهم.
الغرب، ومنذ 76 سنة، يقول في أدبياته وإعلامه إنّ الكيان الإسرائيلي كيان حضاري وديمقراطي،ومحب للسلام، وهو كاذب ، ويقول إنّ الأمن والأمان المنشودين في المنطقة سيحققها الإسرائيليون وهو كاذب، ويقول إنّ الإسرائيليين، وهم محتلون، يدافعون عن أنفسهم، وهو كاذب، ويقول إنّ إنشاء الميناء البحري الآن هو لمساعدة الفلسطينيين، وهو كاذب! لهذا نؤكد توكيد العارف المجرب: أن من يستفيد من الباطل، ولو القليل القليل، هو عدو للحقّ!

[email protected]