الأصالة في الإرشاد النفسي
داليا الكردي*

في عالم الصناعة الرقمية، حيث يتنافس صانعو المحتوى على جذب الانتباه وكسب المتابعين، لم أستطع أن أتجاهل تلك الجملة اللافتة: "نخبر الناس بما نعتقد أنهم يريدون سماعه"، في الحقيقة أحيانا نحب أن نسمع ما نريد سماعه بالفعل، سيما إن احتجنا لهذا، ولكن ماذا لو كان الكاتب يدرك بالفعل تماما خطاطيف القراء، أي يعرف جيدا آمالهم وتوقعاتهم ويظهر مهارته في التفاعل مع جمهوره، ويتيح له هذا الفهم العميق فرصة لتقديم محتوى ملهم وجذاب يتناغم تماما مع تلك الآمال، ما يعكس إدراكا دقيقا لاحتياجات القراء وتوجيه الكتابة بما يلائم تماما توقعاتهم.
في الواقع، قد نجد أنفسنا نحب أن نسمع ما يتناسب مع توقعاتنا ورغباتنا، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالمشورة أو الإرشاد النفسي، ولكن إذا كان يعلم بالفعل ما يرغب الآخرون في سماعه، هل سيظل تصرفه داخل الإطار الأخلاقي؟
اتحدث اليوم عن أهم صفات المرشد النفسي وهي صفة الأصالة..
من جانب تعني الأصالة أن تعيش حياتك وفقا لقيمك وأهدافك الخاصة، وليس وفقا لقيم وأهداف الآخرين. ومن جانب آخر تشير الى حالة البقاء كما أنت دون تاثير أو تغيير خارجي، يمكن أن يكون للأصالة وحسب السياق عدة مفاهيم، ولكن في العموم تعبر الأصالة دائما عن الثبات والتمسك بالجذور والتقاليد.
على مستوى الثقافة ستطالب أن تحافظ على التراث والتقاليد دون التأثر بالتطورات الحديثة، وعلى مستوى الشخصية حتى تحمل صفة الأصالة ستكون مطالبا بالكفاح من أجل البقاء والتمسك بالقيم والمبادئ.
أي أنه لن يجلب أي شيء من الخارج لك إحساسا بالأصالة، فالأصالة هي أن تتمسك بما تحمله بداخلك، واعتمادا على ما يكمن بداخك تكون أصالتك، إذا كانت إيجابية فستكون أصالتك إيجابية، وإذا كانت سلبية فإن أصالتك سلبية، واسمحوا لي أن أصيغ هذين النقيضين في مصطلح قد لا يكون مالوفا للبعض.
لأولئك غير المتأكدين من كيفية تعريف الأصالة، فإنها ببساطة أن تتصرف كما يتصرف الداخل، وعندئذ تعرف الإجابة على ما إن كنت أصيلا أم لا، تماما كما لو كنت المعدن الأساس، لن يضيرك إن أثنوا عليك أم توقفوا، ولن يضيرك ما اذا أخبروك بما يعتقدون أنك تريد سماعه أم لا.
إن كنت تستمد أصالتك من علامات خارجية فاعتذر لاخبارك أن الإنجاز الخارجي ليس له علاقة بموضوعنا اليوم.
الأصالة هي أن تعترف من الداخل بأنك استكملت الجانب الأخلاقي الذي يتبع لعالمك المادي والمعنوي، وما إذا كان الاثنان في حالة تطابق، بغض النظر عن نتائج عملك، وهذا ما أطلق عليه روجرز مصطلح "الاتساق" معتبرا أن الأصالة في الإرشاد هي المثل الأعلى الأخلاقي الذي ينبع من العلاجات الإنسانية والوجودية.
إذا كنا نتحدث عن أصالة المرشدين النفسيين والتربويين، فنحن نتحدث عن أفراد يلتزمون بقوانين المهنة ويحرضون على ذلك حتى النهاية.
يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت Immanuel Kant أن تطبيق القوانين على البشر واجب أخلاقي، وأن الإرادة البشرية الحسنة التي يكون فيها القانون الأخلاقي حاسما، لا تكون جيدة إذا كانت غير مدفوعة بالواجب الأخلاقي الذي يجبرنا على التصرف بطرق محددة نكون مطالبين فيها أخلاقيا بالقيام بواجبات معينة. ويرى كانت Kant أن دوافع مثل المصلحة الذاتية والحفاظ على الذات والتعاطف والسعادة..، مهما كان العمل المترتب على أي منها جديرا بالثناء، فإنه لا يعبر عن حسن النية أو حسن الإرادة، بل وليس له أي قيمة أخلاقية حقيقية، لأن القيمة الأخلاقية تتحقق فقط إذا كان العمل ينطلق من إرادة ملتزمة بواجب القانون الأخلاقي.
وعليه، فإن دون ما هو كما سبق وإن ذكره التاريخ بالثناء فهو لا يمت للأصالة بصلة.
ببساطة، الأصالة تعني أنك صادق مع شخصيتك وقيمك وروحك، بغض النظر عن الضغط الذي تتعرض له للتصرف بطريقة مختلفة. أنت صادق مع نفسك ومع الآخرين، وتتحمل مسؤولية أخطائك، تتوافق قيمك ومثلك العليا وأفعالك باتساق مطلق، ونتيجة لذلك، فإنك تبدو صادقا، وتكون على استعداد لقبول عواقب كونك صادقا مع ما تعتبره صوابا.
إن عيش حياة أصيلة هو أكثر فائدة بكثير من إخفاء نفسك الحقيقية، فعندما تعيش بشكل أصيل، لن يكون هناك داع للقلق بشأن ما قلته (أو لم تقله)، أو كيف تصرفت، أو ما إذا كنت قد فعلت الشيء الصحيح، فالعيش بشكل أصيل يعني أنه يمكنك أن تثق بنفسك وبدوافعك بشكل ضمني.
عندما تكون أصيلا، سوف تتمتع بالنزاهة أيضا، ولن تتردد في فعل الشيء الصحيح، لذلك لن تضطر أبدا إلى إعادة تقييم نفسك: من أنت، وماذا تفعل، وما تؤمن به - كل هذه الأمور سوف تتوافق تماما. يمكنك أن تثق بنفسك في اتخاذ القرارات الصحيحة عندما تكون صادقا وتفعل الشيء الصحيح، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الثقة بالنفس واحترام الذات، وزيادة التفاؤل، والمزيد من الرضا عن الحياة.
الحياة الأصيلة ليست مجرد سلوك، بل هي نمط حياة، إن القدرة على التعبير عن الذات بصدق تقود إلى النمو الشخصي وتعزز الثقة بالنفس. في مجال الإرشاد النفسي، يمكن أن تنعكس الأصالة في الطريقة التي يتفاعل بها المرشد مع المواقف وكيفية التعامل مع المسترشدين الذين أتوا إليه بالدرجة الأولى لأنهم يثقون بشكل بَدَهي بأصالته.
في الختام، يظهر أن هناك توترا محتملا بين دور الكاتب الذي يروج لمهاراته وحرفيته على صفحاته، وبين دوره كمقدم للإرشاد النفسي، يمكن اعتبار هذا التوتر نوعا من تضارب المصالح، حيث قد يكون الكاتب ميالا إلى جعل القارئ يستمع إلى ما يريد سماعه، وفي الوقت نفسه يقدم الإرشاد النفسي الذي قد يتعارض مع تلك الرغبات.
وعلى الرغم من أن هذا الطرح قد يظهر بعض القسوة، إلا أن هناك آلاف النقاط والثغرات التي يحتاج علم النفس إلى معالجتها، حتى في أفضل الظروف والأماكن، ولكن في الوقت الراهن وفي إطار المتاح، يكفي ألا يتم كسر القواعد بقواعد أخر، يكفي أن يتم الالتزام بما كتبه الخبراء.
كان جزءا من أصالتي أن أقدم وعيا للقارئ ليكون على قدرة للتمييز، وليس أن أقوم بما يقوم به الآخرون في سياق غسيل الأدمغة، ولا أن أقدم قولا قد يرغبون في سماعه، وأرى مهمتي كباحثة هي دعوة الناس لاختيار الشخص المناسب في طلب المشورة والإرشاد، حين يأتي العديد من المسترشدين إلى الارشاد النفسي لمعالجة الصعوبات والمظالم الشخصية. فهذا سببه انهم رأوا فيك شخصا أصيلا له قيمة قبل أن تكون مرشدا اصيلا، لذلك لا أرى أن الاحترافية وحدها كافية لجعلك أصيلا.
---------
* دكتوراة الإرشاد النفسي والتربوي
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل