عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 آذار 2024

غزة بين الرصاص والجوع.. لماذا وصلنا إلى هنا؟

باسم برهوم


المواطنون في قطاع غزة يتعرضون لظلم يفوق طاقة البشر، لا يمكن مقارنته بأي ظلم آخر. لقد وجدوا أنفسهم في معتقل كبير، محاصرين يجري قصفهم بوحشية، قنصهم بالرصاص، أو تركهم يموتون جوعا أو من الأوبئة، وكل أشكال الموت وعذاب ما قبل الموت أشد من الموت نفسه. 
ولم يعد خافيا أن إسرائيل تقوم بتفكيك القطاع، وتقوم بتدمير المكان والفتك بالبشر، هي تقوم بعمل كل شيء من أجل أن ينتهي قطاع غزة كمكون رئيسي ضمن الكيانية الفلسطينية، التي قد تتحول إلى دولة إلى جانب الضفة. إسرائيل تتصرف مع القطاع كالمثل الذي يقول "اخلع السن واخلع وجعه"، وهو ما يفسر أن تل أبيب تقوم بالفعل على خلع القطاع بحيث لن يعود كما كان، لا من حيث الديموغرافيا أو العمران، أو حرية الحركة. هو كان سجنا كبيرا أصلا، وإسرائيل الآن ستحاول فصل عنابر السجن بعضها عن بعض، ويتحول القطاع إلى كانتونات منفصلة.
يكفي أن تشاهد مقطعا يوميا على شاشات التلفزة، أو تقرأ شريطا من الأخبار والتقارير لتعلم أن ما يجري هناك أنها حرب إبادة حقيقية، حرب تفكيك وتدمير للمجتمع فلسطيني مكون من أكثر من مليوني إنسان، والأرقام تؤكد أن أكثر من 30 ألف إنسان قد استشهدوا، وأكثر من ضعفهم جرحى، ونصف هؤلاء أصبحوا أشخاصا بعاهات دائمة، يحتاجون إلى رعاية خاصة وتكليف مالية ونفسية دائمة، وخلال كتابة المقال يكون مئات آخرين قد استشهدوا أو ماتوا جوعا، أطفال مشردين بلا أهل أو أسرة ترعاهم وبلا مأوى، هؤلاء قد لا يشعر أحد بموتهم، فهم أصبحوا خارج نطاق النظر المباشر لأهل أو جيران. مواطنو غزة يحتاجون للغذاء والماء والدواء والأهم هم بحاجة لوقف الحرب فورا.
وصف حال غزة وحده يرهق ويألم، فكيف من هم يعيشون حالة الوصف هذه؟ 
كنا نعرف وندرك سياسة ازدواجية المعايير، وإننا تاريخيا دفعنا ثمن تاريخ ليس تاريخنا، وإنما لا سامية أوروبا وعنصريتها، كنا نعلم بالتحالف الإستراتيجي بين الصهيونية والاستعمار، ولاحقا إسرائيل والإمبريالية العالمية، لكننا لم نكن نعلم أننا يحب أن ندفع ثمن كل ذلك عشرات المرات. اليوم المواطنون في غزة يدفعون ثمن تاريخ يمتد من زمن حضارة الأسطورة إلى زمن الحداثة والعقل، وزمن العولمة وما بعد العولمة.. يدفعون ثمن تكنولوجيا القتل المتطورة جدا التي يستخدمها بشر عقلهم غارق بالأساطير القديمة، والنتيجة وحشية لم يسبق لها مثيل في التاريخ.
علينا أن نستبعد من الأخبار التي نقرأها أو نسمعها، كل تلك التي تتحدث عن رغبة الرئيس الأميركي جو بايدن بوقف إطلاق النار، أو تلك التي تتحدث عن انقسامات في حكومة الحرب الإسرائيلية، أو أن الرأي العام يتغير لما فيه مصلحتنا، أو تلك التي تقول ان إسرائيل لم تحقق أيا من أهدافها، وهذه الأخيرة هي أكثرها خطورة، كل هذه الأخبار لم توقف الحرب، بل العكس ما يجري هو استمرار للقتل الوحشي وحرب التجويع، ولا أفق قريبا حتى لإتمام هدنة مؤقتة.
وبعيدا عن مشهد الأحداث المباشر، فإن ما يتم هو نكبة فلسطينية قد تكون أكبر بكثير، وأكثر قسوة من النكبة الأولى، فمن لا يرى أن هناك محاولة إسرائيلية، مدعومة أميركيا بتصفية القضية الفلسطينية، فهو إما لا يدرك الأخطار الحقيقية أو يحاول تجاهلها لإبقاء نوع من الأمل. وبغض النظر، فإن الظروف الموضوعية تنفي إمكانية أن يتحقق استقرار حقيقي من الآن وحتى عام قادم على الأقل. فهناك انتخابات رئاسية أميركية تمنع من اتخاذ خطوات إستراتيجية، كما ليس هناك من أمل بتغيير إيجابي في إسرائيل نفسها لأنها هي الأخرى ستنتظر الانتخابات الأميركية، كما ليس هناك قوى في إسرائيل تتحدث عن الشعب الفلسطيني بمنطق يختلف جذريا عن منطق نتنياهو وحلفه اليميني المتطرف.
المشكلة في كل ذلك أننا كفلسطينيين حتى هذه اللحظة لا نسأل أنفسنا السؤال الأهم: لماذا وصلنا إلى ما وصلنا اليه؟ لماذا سهلنا على أعدائنا تحقيق أهدافهم بأبشع الصور؟