عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 شباط 2024

هذا.. ليس نصرا!

حسن حميد

تغريدة الصباح..

بلى، بدا الحدث على غاية من الدهشة والغرابة والسرانية، وفي صورتين إحداهما أكثر مفارقة من الثانية، وكلية الأمر هي في خلاصته المتمثلة في أن قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي، على اختلاف مسمياتها، استعادت أسيرين اثنين من سكان مستوطنات غلاف غزة تحت غطاء من النار الكثيف الذي تكفلت به طائرات العدو ودباباته، وبحضور كثيف من قوات النخبة، وذلك بعد تحديد مكانهما في قطاع غزة.
 بدا مشهد استعادة الأسيرين، ومن خلال المشاهد المصورة، كما لو أنه فيلم سينمائي تنقصه الألوان والموسيقى فقط، فالجرأة التي أراد الاسرائيليون تجسيدها، وكثرة القوات المشاركة في الحدث على اختلاف مهامها، والطمأنينة المصحوبة بالحذر، كلها موجودة، واسترداد الأسيرين كان باديا بعد الوصول إليهما، والعناقات الحميمة التي عمت الصور في المشفى الذي وصلا اليه، والأماديح التي تحدثت عن جسارة قوات النخبة، والإعداد الدقيق لتنفيذ المهمة، وتضافر جهود قوات الجو والبر والبحر، والمعلومات التجسسية، كل هذا كان سردية العدو الاسرائيلي الذي أراد لها أن تؤكد أهمية دور القوة وسطوتها في حرب شرسة وغير مسبوقة على الفلسطينيين في غزة والضفة الفلسطينية، حرب عصفت بالتوقعات كلها، فماشتها أمواج إعلامية إسرائيلية متلاطمة وبصخب عنيف حول ( حدث الأسيرين)، كي تقول سطرا واحدا فحواه: لقد ظفرنا بما أردنا. 
والحق، هو أن هذه الرواية الإسرائيلية كاذبة، وباطلة، وهشة، وسخيفة، وليس فيها أي مقدار من المصداقية، وليس فيها ذرة شجاعة أو جسارة، ولم تعرف التخطيط إطلاقا، كما ادعى الاسرائيليون، أما تعاون نخب جيش الاحتلال الإسرائيلي فهو تعاون وحشي، فيه من الوقاحة الكثير، هدفه القول إننا شاركنا في استعادة أسيرين اثنين، من أسرى مستوطنات غلاف غزة ! رواية ليست سوى جعجعة من دون طحين، وأكاذيب تافهة ورخيصة، ولم تكن تصريحات السياسيين والعسكريين الإسرائيليين التي تبعتها إلا الكذب الرخيص المفضوح نفسه الذي تشدقوا به حين قالوا في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إن المقاومين الفلسطينيين قتلوا الأطفال الاسرائيليين وقطعوا رؤوسهم، واغتصبوا النساء الاسرائيليات حين دخلوا إلى مستوطنات غلاف غزة وقاعدة عمليات الفرقة العسكرية الاسرائيلية التي ظلت تشرب من دماء أهل غزة سنوات وسنوات، والتي ظلت محاصرة لقطاع غزة  قرابة عقدين من الزمن.
الحقيقة الشارقة، في هذه العملية الوهم، هو أن بعض المدنيين من أهل غزة، دخلوا تباعا إلى غلاف غزة، في السابع من تشرين أول، وأن هؤلاء المدنيين أسروا بعض المدنيين الاسرائيليين، وتحرزوا عليهم وتنقلوا معهم مثلما تنقلوا من مكان الى آخر تفاديا للتوحش الاسرائيلي، ولم يعرف رجال المقاومة بمكانهم، وقد جاء هذا في بيانات فصائل المقاومة في غزة التي أكدت أن بعض أسرى العدو ليسوا بين أيدي هذه الفصائل، وإنما هم بين أيدي عوائل غزية، وأن الوحشية الإسرائيلية التي طاردت أهل غزة من مكان إلى مكان، ومن خوف إلى خوف، ومن جوع إلى جوع، ومن قلق إلى قلق.. لم تمنح الفلسطينيين فرصة لإحصاء عدد الأسرى أو معرفة العوائل الفلسطينية التي لديها أسرى، عائلة واحدة، من هذه العوائل، لم تتحوط بالحذر المطلوب بسبب المطاردة التي تعرضت لها، وبسبب فقدها أعز ما امتلكته (من بيوت، وأمان، ومتاع، وأبناء) فعرف العدو أن لديها أسيرين اثنين من أسراه، حمتهما الأسرة الفلسطينية واعتنت بهما، لكن اخترام الحذر الكلي المطلوب، بسبب كثرة التنقل، وقلة الاحتياطات أدى الى أن يعرف واش بوجود الاسيرين، فأخبر العدو الاسرائيلي بمكانهما لقاء  مليوني دولار، فعرف العدو مكان سكن العائلة الفلسطينية، فجاء بأساطيله الجوية،  وألويته البرية، فأشعل المكان بالقنابل والصواريخ وحاصره، وأخذ الأسيرين، وتلت ذلك رواية اسرائيلية محتشدة بالكذب والمباهاة، فقال مروجوها إنهم نسفوا أبواب بيت الأسرة الفلسطينية بالديناميت، وقتلوا العشرات، ثم ظفروا بالأسيرين، وعدّوا الأمر انتصارا، وهم لم يواجهوا أهل المقاومة، ولم يفتكوا أسيريهم منهم افتكاكا، بل دفعوا المال للواشي ليستردوهما، وأن الأمر كان صفقة، وليس افتكاكا أو عنوة أو رغما عن المقاومين الفلسطينيين!
لقد أراد الإسرائيليون، ومن خلال إعلامهم الضاج بهذا الحدث، وتصريحات المتنفذين منهم المليئة بالصلف والوحشية، أن يضعوا صورتهم في إطار الظافر المنتصر، وهم منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن، أكثر بعدا عن أي نصر أو ظفر، لقد أرادوا تسويق ما حدث للغرب، ليقولوا لهم: إن القوة والوحشية تجاه الفلسطينيين..سفكا للدماء، ومسحا للقرى والمدن والمشافي والمدارس والمخيمات الفلسطينية، السبيل لبقاء ديمومتهم محتلين للأرض الفلسطينية، ولكن هذا وهم وأكثر، لأن المواجهة الفلسطينية، في غزة والضفة، كشفت هشاشة القوة الإسرائيلية التي استقوت على المدنيين العزل فنالت منهم، ومن بيوتهم، أما أهل المواجهة الفلسطينية فما زالوا يواجهون بالشجاعة المطلقة صلف الإسرائيلي الغشوم وعنجهيته المتوحشة.
صحيح أن المال قوة تشتري بعض النفوس المريضة التي تهالكت فانحنت، لكنه لا يشتري من آمن بالحق والعناد الوطني فجعلهما صيغة عيش، ومسار درب نحو تجسيد الحق الفلسطيني الذي يؤيده الواقع والتاريخ والفعل والعافية الوطنية، بأن فلسطين لأهلها، وأن ما حدث منذ عام 1948 وحتى هذه الساعة، ليس سوى زفرة كربون، مآلها التبدد.. لا محال.
[email protected]