عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 شباط 2024

الدكتاتورية الرقمية.. ما بين الديمقراطية والأحقية

عمار جمهور


في الوقت الذي يدعي فيه الكيان الصهيوني بأنه رأس حربة الديمقراطية في الشرق الاوسط، إلا أنه يمارس أفظع أشكال الدكتاتورية، لا سيما في الفضاء الرقمي، ففي السنوات الأخيرة عمدت سلطات الاحتلال الاسرائيلي إلى ملاحقة المتعاطفين والمؤيدين لكافة أشكال المقاومة سلمية كانت أم عسكرية. وفي محاولة لتكميم الأفواه. دأبت سلطات الاحتلال الاسرائيلي على مراقبة المحتوى الإعلامي الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة الى تفتيش الأجهزة الخلوية وتفحصها على الحواجز المنتشرة في الضفة الغربية، وخاصة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول الماضي، وسجن وملاحقة المتعاطفين أو المناصرين للنضال الوطني الفلسطيني، وهذا ما بات يعرف بـ "الدكتاتورية الرقمية". 
وتجسيدًا وتأكيدًا على الدكتاتورية الرقمية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وروايته،  سن الكنيست الإسرائيلي مؤخرا تشريعات تحد من حرية الفلسطينيين في الفضاء الرقمي تحت ادعاء الـ "منشورات الإرهابية" لشرعنة سياساته وإجراءاته للحد من التعاطف مع النضال الوطني الفلسطيني. وعلى جانب الممارسة الفعلية للدكتاتورية الرقمية، فقد دأبت سلطات الاحتلال الاسرائيلي على قطع الإنترنت مرات عدة خلال الحرب على قطاع غزة في محاولة بائسة لممارسة دكتاتوريتها الرقمية، في الوقت الذي تغنت وما زالت بادعائها أنها رأس حربة "الديمقراطية الغربية" في الشرق الاوسط. ولطالما مارست الانظمة الدكتاتورية سلطويتها في قمع الاصوات المعارضة لها لا سيما وقت الأزمات السياسية والحروب. وانتهج نظام الرئيس المصري حسني مبارك هذه الدكتاتورية عندما اندلعت الثورة المصرية وتمركز الثوار في ميدان التحرير مطالبين برحيل نظامه، الأمر الذي دفعه لممارسة دكتاتوريته الرقمية من خلال قطع الإنترنت للتخفيف من غليان الشارع المصري وثورته، الذي استخدم تطبيق "الفيسبوك" للتحشيد والمناصرة و"اليوتيوب" لبث التظاهرات وتغطية مجرياتها.
ممارسة الدكتاتورية الرقمية من قبل الأنظمة السياسية مهد الطريق الى ضرورة اعتماد ما يعرف بـ "الانترنت الفضائي" كبديل لتخطي "السلطوية الرقمية". بالرغم من ارتباط ظهور "الانترنت الفضائي" بظهور "الانترنت والويب" إلا أنه لم يلق الاستحسان المطلوب، بالرغم من ظهور شركة "تيلي ديسيك" التي أطلقت مشروعها المتضمن إطلاق أقمار صناعية منخفضة لضمان الاتصال بالانترنت، التي عجزت عن تحقيق غايتها، ولاقت ذات المصير الذي واجهته، عدة شركات أخرى منها "إريديوم" و"غلوبال ستار" و"آي سي أو". إلا أن هذا الفشل لم يحل دون محاولة ناجحة لشركات أخرى مثل "امازون" و"سبيس اكس" و"ون ويب" التي عملت على تطوير تقنية "الإنترنت الفضائي" بإرسال أقمار صناعية في مدارات قريبة من الارض عام 2014. وكانت التجربة الأبرز من نصيب شركة "ستارلينك" التي وفرت خدمات الإنترنت الفضائي، إذ تحاول توفيره في أغلب بلدان العالم بتكلفة منخفضة نسبيًّا وبسرعة تفوق الإنترنت التقليدي الأرضي. وسجلت شركة "ستارلينك" في توفير خدمات الإنترنت في الحرب الروسية الأوكرانية بعد قيام روسيا بقطع الإنترنت عن أوكرانيا ومهدت الطريق لاستمرار تدفق المعلومات المتعلقة بالرواية الإعلامية الأوكرانية.
 المفارقة الغريبة تتمثل في كون أن الدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها بما فيها اسرائيل، ساهمت في تعزيز هذا المفهوم "الدكتاتورية الرقمية" لمهاجمة الصين وروسيا وغيرها من الأنظمة في آسيا باعتبارها أنظمة سلطوية استبدادية مضطهدة لحقوق الرأي والتعبير. وبنت كل ادعاءاتها وافتراضاتها على تفوقها القيمي المنطلق من روح الحضارة الغربية القائم على الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، فيما تمارس هي ذاتها كدول أو شركات أو مؤسسات إعلامية أفظع أنواع الدكتاتورية لا سيما في الفضاء الرقمي، والقيود الرقمية على الرواية الفلسطينية خير مثال على ذلك. ومن الأهمية بمكان توظيف هذا التناقض الصارخ والاستفاده منه لصالح خدمة الرواية الإعلامية الفلسطينية وخاصة خلال حرب الإبادة على قطاع غزة ومحاولة اسرائيل تكميم الأفواه الفلسطينية بكافة السبل المتاحة واقعيًّا وافتراضيًّا أو تقليديًّا ورقميًّا. 
وفي ظل هذه الحرب الإعلامية التي يخوضها الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وأطرافه سواء أكان في الجانب الرسمي الحكومي أم في الجانب الشعبي، فلا بد من التفكير جديًّا في محاولة وضع تصور وطني عميق وجدي مع هذه الشركات، التي تتأثر بسياسات حكومتها ومصالحها السياسية والإعلامية- لصالح الاستفادة من خدماتها أو التأثير في صياغة سياساتها بما يخدم الرواية الإعلامية الفلسطينية. والتركيز على مفهوم الديمقراطية الرقمية، وأحقية الفلسطيني بالحصول على كافة حقوقه الرقمية في العالم الافتراضي بما يخدم فكره السياسي وأحقيته في الترويج لروايته الإعلامية.