حقا، ما كان لن يكون
محمد علي طه

تغريدة الصباح..
لن نهرب من واقعنا ولن نحاول تجميله ولن نرفع الراية البيضاء التي حينما كنا بقايا شعبٍ مهزوم، أقليةً صغيرةً يتيمةً، اعتبرها المنتصر خطأ تاريخيا فحاول جاهدًا تصحيحه ولم يُفلِح، فاجترحنا ملحمة البقاء سنديانةً جليليةً وزيتونةً مباركة وشُجيرة صُبار في خمسمائة طلل، ووهنت الرياح وهي تهز جذع نخلتنا الشقيقة التوأم لجدنا آدم، فأثمرت صبر أيوب وينابيع الأردن ومياه اليرموك.
أدركت تجربتنا الغنية التي رضعت لبأ شاة بازل ممزوجًا بعلقم القسطنطينية منذ الدمعة الأولى والآهة الأولى والألف باء الأولى والوجع الأول في التراجيديا التي ورثناها من مياه دجلة والفرات والنيل ونهر الكلب بأن ما كان من قبل السابع من أكتوبر لن يكون بعده، أبدًا لن يكون.
حملت لنا العاصفة غباء ألف شمشون، ونواح مائة ألف دليلة، وحقد مليون بعير، وصمم بليون أذن، وردّدت هاجر "متعودة متعودة"!.
فاجأتني مدينة الكرمل، مدينة أنف الغزال الجميل، مدينة الطل وشقائق النعمان والمحبة والإخاء، حيفاي التي أحبها، عندما تعرت من انسانيتها هذا الأسبوع وخلعت ثوب العفة الذي ورثته من جدتنا الأولى ولم تسمح لروحي الفتاتين الجميلتين القتيلتين عبير ابنة بسام عرامين وسندار ابنة رامي الحنان أن تلتقيا في بيتٍ حيفاوي دافئ وتحكيا للأهل والأمهات والآباء وللأطفال حبهما للحياة.
لم تسمح مدينة حيفا الجميلة لكتابٍ جديد هو رواية انسانية من أربعمائة واثنتين وثلاثين صفحة أن تحتفل بميلادها في بيتٍ حيفاوي، وأن تُضيء شمعة في بيت حيفاوي، وأن تقول: على هذه الأرض، سيدة الأرض ما يستحق الحياة، في قاعة حيفاوية.
ما كان لن يكون. حقًا يا حيفا هل ما كان لن يكون؟
وهل فاجأني نير مئير، سكرتير الحركة الكيبوتسية في بلادنا، حركة اليسار الاسرائيلي التي دعت طيلة عقود الى السلام الاسرائيلي الفلسطيني والى التعايش بين الشعبين، عندما دعا في هذا الأسبوع حركته الى أن تخلع حلفها التاريخي مع اليسار وأن تُباشر في التعامل السياسي والاجتماعي مع ممثلتي اليمين العنصري، الوزيرة السابقة أيليت شكيد التي شرعنت العديد من القوانين الفاشية، والوزيرة الحالية أوريت سطروك التي تبث كراهيةً وحقدًا وعنصرية في فضاء بلادنا.
لم يفاجئني السيد نير مئير ممثل كيبوتسات أقيمت معظمها على أراضٍ عربية مصادرة أو على أراضٍ لبلدات مهجرة ولم يؤنبه ضميره اليساري.
ما كان لن يكون. حقا ما كان لن يكون فالسيد الجنرال بني غانتس لا يجرؤ أن يترك حكومة بنيامين نتنياهو ولو أمطرت السماء عليه... لن أقول ما يقوله البعض، ولن أكتب ما قاله صحافي اسرائيلي بأن الجنرال تحول الى خرقة عند مدخل البيت فقلمي مؤدب ولساني نظيف، وما كان لن يكون، ولن نهرب من واقعنا.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل