عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الثاني 2016

"أمة تنسحب من التاريخ"

عباس جماعات

أطلَّ علينا قبل أيام خلت المفكر والأديب المصري والمتخصص في المخطوطات والتراث الاسلامي يوسف زيدان ليجرّدنا الرجل وبضربة واحدة من مسرانا واقصانا ومعراجنا -هكذا وبكل بساطة- وذهب الى القول: إن الإسراء كان لمسجد في طريق مكة- الطائف يقع شمال شرق مكة بمنطقة تدعى الجعرّانة (بتشديد الراء) تبعد عن مكة ٢٩ كليومترا، وانه لم يكن في القدس أصلا مسجد في ذلك الوقت، مستندا الى رواية تبناها قام بعض المستشرقين بتحوير معناها عند الواقدي ثم اقحم الطبري في مثل هذا القول، وهذا محض افتراء وكذب من الرجل على الطبري؛ حيث إن الطبري لم يقل البتة شيئا من هذا القبيل، واسمح لنا هنا ان نحمل لك يا زيدان مفاجأة علها لا تكون سعيدة بالنسبة لك، وهي حديث يرويه الواقدي هذا الذي اتكأت عليه في روايتك، ففي كتابه "المغازي" ان امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت لله عز وجل إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال لها رسول الله: انك لا تستطيعين فإن الروم يحولون دون ذلك. فهل ذكر في التاريخ ان الروم دخلوا اصلا ارض الحجاز، وحالوا ما دون مكة والطائف؟؟! لم يقل بذلك أحد في العالمين، وما يعني ايضا انه كان هناك في بيت المقدس بالقطع مسجد.. ثم بعد ذلك ادعى زيدان ان رحلة المعراج هي محض اختلاق المسلمين ولا وجود حقيقي لمعراج الرسول الى السماوات السبع.. ونحن هنا مع علمنا ويقيننا بالتوظيف السياسي لما قاله زيدان، الا اننا لن نناقش الامر من هذا الباب، بل سنناقشه بمزاج علمي وبالأدلة، ردا على هذه الشبهات التي اطلقها الدكتور زيدان، فلم يقل بهذا الامر قبله غير بعض أئمة الاثني عشرية مدفوعين بكرههم لبني أمية ثم قال به ايضا البروفيسور الاسرائيلي "موردخاي كيدار" حين القى محاضرة في الكنيست الاسرائيلي سنة 2009، ذهب الى ما ذهب اليه زيدان، او العكس هو الاصح، اذن فالرجل هنا ليس اصيلا في طرحه هذا وهو مسبوق اليه.. وعلى الله متوكلين، نقول:
يقول الكاتب زيدان: انه لم يكن هناك مسجد في القدس في ذلك الزمن حتى يُسرى اليه، وهنا كبا بالرجل جواده وتعثرت خطاه، فقد اختلط عليه الامر، فظن ان المسجد -والذي هو مكان السجود- لا بدّ ان يكون ذا بناء وجدران وقباب ومآذن، وربما خفي عليه انه وباتفاق فقهاء الأمة فان مسجدية المكان تبقى وان غاب البناء. ثم يردف متسائلا: اين كان عمر بن الخطاب من المسجد حين استلم مفاتيح المدينة من البطريرك صفرونيوس؟ وغاب عن محقق التراث الاسلامي "زيدان" ما ذكره كل المؤرخين ان عمرَ حين فتح القدس سأل البطريرك: أين مسجد داوود؟ أين متعبد داوود؟ فدله عليه فقام عمر بتنظيفه مما كان ألقي عليه من القمامة حتى جعل ينظف الصخرة المشرفة بطرف ثوبه، تلك الصخرة التي وضع الرسول عليها قدمه وعرج منها الى السماء، وهذا الامر حدث في السنة السابعة عشرة للهجرة والمهم جدا انه وبعد هذا التاريخ بقريب اي في السنة الخمسين للهجرة أمّ المكان أحد الرحالة من بلاد الغال "فرنسا" ويدعى آركولوف والذي ذكر فيه مسجد المسلمين. 
ثم يطلق علينا زيدان تحديه بأن نأتيه بلفظة بيت المقدس او القدس في اي مصدر من مصادر المسلمين قبل سنة ٢٥٠ للهجرة، فحسب زعمه ان المسلمين لم يكونوا يعرفون القدس ولا بيت المقدس قبل عهود الأمويين، ولم يطلقوا عليها صفة القداسة قبل ذلك، ولا أدري هنا اين كان عقل الرجل حين اطلق هذا التحدي فالمصادر التي تجيب على هذا التحدي وتفنده من اصله كثيرة وكثيرة جدا، ولنأخذ مباشرة التفسير المنسوب الى مجاهد بن جبر المتوفى سنة ١٠٤ للهجرة تلميذ عبد الله بن عباس اي قبل قرن ونصف قرن من تحدي زيدان، حيث ورد في تفسيره ذكر بيت المقدس والقدس في مواضع متعددة ثم في السيرة النبوية لابن اسحاق المتوفى سنة ١٥٠ للهجرة اي قبل قرن من تحدي زيدان، نجد ايضا ذكر القدس وبيت المقدس في مواضع كثيرة، ثم في موطأ الامام مالك المتوفى سنة ١٧٩ للهجرة الحديث الشريف الذي بلغ مرحلة التواتر "لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد... الى مسجد بيت المقدس" ثم الامام عبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ للهجرة يذكر فيه بيت المقدس ثم في كتاب "الأم" لأبي عبد الله الشافعي يذكر فيه ايضا القدس وبيت المقدس في باب استقبال القبلة وفي مواضع كثيرة، والادلة اكثر من ان تحصى يا محقق التراث النحرير. والاعجب من ذلك ان البروفيسورة الاسرائيلية هافا يازرس يافي والتي تُدّرس في الجامعة العبرية أكدت قدسية هذه المدينة (القدس) في التراث الاسلامي منذ بواكير الدعوة الاسلامية بعكس الكاتب يوسف زيدان للأسف. ثم ها هو تيدي كوليك رئيس بلدية القدس الاسبق والذي عُرف بعنصريته وحماسه للمشروع الصهيوني، حين أحب ان يتعمق أكثر في دراسة تاريخ هذه المدينة "القدس" انزعج جدا من الطريقة التي تم فيها استلام المدينة المقدسة في زمن عمر بن الخطاب حيث اصر عمر على استلام مفاتيحها بنفسه دون كل المدن التي كانت قد فتحت، ما يدل على قدسية هذه المدينة بالنسبة للمسلمين، الأمر الذي دعا "كوليك" الى ان يشكك بصلاحية نجاح المشروع الصهيوني برمته في فلسطين. 
ثم بعد ذلك يرمينا هذا الزيدان بسهامه التي تحمل السم الزعاف حين يقول: ان المسلمين سرقوا الاسم من قبل، والآن يريدون سرقة المكان "متبنيا في ذلك الرواية الاسرائيلية بالكامل"، حيث -وكما يدعي- ان اورشليم هو اسم عبري، والذي غاب عنك يا عملاق الفكر هو ان اورشليم هي لفظة كنعانية عربية وليست عبرية، حيث ان اول من سكن هذه الارض هم اليبوسيون المنحدرون اصلا من كنعان والذين قدموا مباشرة من الجزيرة العربية وبنوا مدينة اورشليم سنة ٤٠٠٠ قبل الميلاد وابراهيم عليه السلام -الذي يعتبر سبطه اسحاق ابو اليهود- سكن فيها سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد، اذن فهو طارئ عليها وذلك بنص سفر التكوين في التوراة: "وعاش ابراهام غريبا في ارض كنعان". فأين انت من هذا كله يا أيها الجحجيح؟؟!!
ولنستنطق الآن يا زيدان من هو اعلى منك شأنا وأرفع مرتبة في هذا المجال ومن اليهود انفسهم، من علمائهم المحققين المنصفين وبالمنطق الجيني السلالي، فها هو المفكر والاديب اليهودي المجري آرثر كوسلر يطالعنا بالقول في كتابه "القبيلة الثالثة عشرة" ان ٩٠٪ من يهود العالم لا علاقة سلالية لهم بيعقوب، وليسوا اسرائيليين، فهم من يهود الخزر واكثر من ٨٢٪ من سكان اسرائيل من يهود الخزر فأي حق هذا الذي تتبرع باعطائهم اياه في فلسطين يا زيدان.
واخيرا، وليس آخرا، لا ادري لماذا ننسحب كأمة وبكل هذه السهولة من التاريخ ونقدم الزمان والمكان والقدسية هدية بالمجان لكل شُتّات الارض ومجاهيل أنسابها ونحن أهل الأرض واصحابها.. سؤال يبقى برسم اجابة الكاتب زيدان ومن هم على شاكلة زيدان.