المربد الساحر..!
حسن حميد

تغريدة الصباح...
هاأنذا، أعودُ من مهرجان المربد، في بصرة العراق الجليلة في المعنى والمقام، والمؤيدة بمدونات الشعر النايف الذي غدا، مع مرور السنوات، طبقات علوية يجول فيها الجمال مثل خيول روامح.
لقد قيّضت لي المحبة أن أكون بين قامات الآداب العربية في هذه الآونة، وقد لبّوا دعوة أدباء العراق ومبدعيه ليكونوا شهود العمران، والجمال، والعشق الوطني في البصرة التي تساهر الأحلام وهي تمحو بيد واثقة، وروح جلواء آثار السنوات المُرة التي دهمتها، شأنها في ذلك شأن بغداد التي مررنا بها، وهي تضيف لجمالها جمالا، ولنورها نورا، ولغناها غنىً جديدا. لم أرَ مترا واحدا في البصرة على اتساع رقعتها، يخلو من معاني العمران الجديد، والمضايفات الجمالية؛ كل البصرة شوارع، وبيوتا، وأسواقا، وحدائق، وطرقا، وأرصفة.. تعيد ترتيب نفسها من أجل تألق يليق بماضيها البهي، ومعارفها الزواهر، وناسها الذين يقرؤون في كتاب المجد صفحات خالدات سطرها الأجداد والآباء.
ولم أرَ أحدا من أهل البصرة، في الشارع، والسوق، والأمكنة الثقافية، وحول رحابة المكان الذي يقف فيه الشاعر بدر شاكر السياب، وفي سيارات الأجرة، وفي شط العرب، والمقاهي إلا وملاقاته هي ملاقاة المرحّب، الودود، المحب، ولم أحاور أحدا من أهل البصرة، أو ضيوفها الكرام، الا وكان سؤال فلسطين الكبير بحمولته التاريخية ومأساته المتعاظمة، وأحلامه العالية التي تطاولت مثل شجر عفي، يدور حول الرهان على فجر فلسطيني قادم بنوره الشعشاع.
ولم أسمع شاعرا يباري الشعراء بشعره، إلا وكان اسم فلسطين بين ثنايا سطوره الشعرية راهجا مثل المرايا؛ فلسطين بأحداثها وتاريخها وشهدائها والمشاهد القادمات من جباليا، وبيت حانون، وبيت لاهيا، وخان يونس، وجنين، وطولكرم، وشعفاط، والخليل.. كانت حاضرة، ومتوهجة مثل نار أُعدت لصهر الذهب لطرد كلّ خليط وكلّ شائبة؛ فمنابر قاعات مهرجان المربد، كانت المرايا التي أبدت الأرواح الفلسطينية وهي تجول من مكان إلى آخر مثل طيور تفرّ من دهم خنزير بري عطش للدماء والخراب والتوحش، مثلما كانت مرايا لأساطير الفلسطينيين اليومية في قطاع غزة والضفة الفلسطينية وهم بثياب الحزن، وقمصان الدم، والأيدي المالحة، والأرواح الفادية يواجهون هذا الخنزير المتفلّت جنونا وعماء بعدما ربّاه الغربيون وسمّنوه وحقنوه بالسموم والشرور، وجعلوها سلوكية له كي تشيع في كلّ الفضاء الفلسطيني.. من أريحا إلى رفح، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش.
البصرة، وخلال أيام قليلة، عمّها الشعر المكتوب بذوب الأرواح، فحضر التاريخ الشّارق، وحضرت الأحلام الجميلة، مثلما حضر غنى المواهب العاليات التي جعلت من الألقدارات للمعاني الكوامل، فبدا كتاب الشعر العربي مناددةً للسحر الحلال، ومطوية لما قرّ في النفوس وكمن من الأشواق الطوال.
والبصرة، وخلال أيام قليلة، كانت رحابا طوالا للحوارات والنقاشات، وفي كل شأن، مثلما كانت رحابا وسيعة لتلاقي الأجيال والأرواح والتجارب والكتب والتقنيات والمودات والأشواق؛ لقد محت أيام الشعر القصيرة في البصرة المسافات والحدود بين تيارات الشعر وخلافاتها، ورؤى الشعراء وانعطافاتها، فوحّدت جهات الشعر ليقول، ويعبّر، ويصرخ، ويهمس، ويدلف من مكان ناء إلى مكان مجهول كيما يكتشف أرضا جديدة، ولينطلق من ذات لفّها الحزن إلى ذاتٍ شال بها الغضب، وليبدي حالات المخاوف والهجس والعتب والألم، وليجهر بقولته الذهبية بأن الحياة هي لأولي الإبداع، وعشّاق الجمال.
والبصرة، وخلال أيام الشعر وعلواته، كانت ملتقى الأمنيات والشغف لعناق القصائد المكتوبة بالتعب الجميل والمواهب الثقال والوعي المجلّي، ولعناق الأسماء المعمورة بالشهرة والمعروفية، فلقاء سارد العراق محمد خضير، أو ناقد العراق عبد الله ابراهيم، أو شاعر العراق أجود مجبل هو فرصة نادرة وأكثر، وأن يرى المرء شعراء فلسطين القادمين بروح الفداء، والحاملين جرار الحزن، الصاعدين أدراج المعنى، وهم يقيدون دم شهدائهم بسطور الشعر، فهذا غُنم ما بعده غُنم، وأن ترى وتسمع وتعي ما تستبطنه قصائد شعراء المغرب العربي وشعراء المشرق العربي، فهذه أمنية لتعرف أنّ شعرهم ضفتان لروح واحدة وحلم واحد، وأن تنصت لقصائد شعراء سورية، وتدرك ما فيها، فهذا يعني أنك أمام حمولة هائلة من الحزن والفداء والصبر والأسى والغضب لعشرية الدم التي عاشها أهل سورية.
أعترف أنني بكيت مرتين في البصرة، مرة حين رأيت عناق شعراء لم يتلاقوا، ولم يتعارفوا إلا من خلال نصوص شعرهم التي تلاقت، بكيت في حضرة العناقات التي طالت تلبثا بين شاعر يكتب قصيدة العمود، وشاعر يكتب قصيدة النثر، وشاعر آمن بتيار فكري وشاعر آمن بتيار فكري آخر، لقد وحّدت أرواحهم القصيدة، وبكيت مرة ثانية، وأنا في حضرة شاعر فلسطيني اقتنى حذاء من البصرة، فوددت احتضان الحذاء أخذا بين ذراعي لأنه سيجول في البلاد الفلسطينية، لقد سمعت صوتا يصرخ في قلبي: أي حظوة ستنالها أيها الحذاء، وأي جمال ستخطر به.
بلى، كان المربد البصراوي غنى عراقيا، وقلادة من ذهب عتيق طوّقا أعناقنا جميعا!
[email protected]
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل