الحقيقة والوهم في مقولات السابع من أكتوبر!!؟
باسم برهوم

في خريف عام 1981، وفي دورة تثقيفية نظمها الاتحاد العام لطلبة فلسطين في بلدة سوق الغرب في لبنان، أذكر حادثة بقيت عالقة في ذاكرتي، في إحدى المحاضرات حول "ميزان القوى وسباق التسلح بين الشرق والغرب"، وبالطبع في ذروة الحرب الباردة، تطرق الدكتور رشيد الخالدي وهو يحاضر في الطلبة الفلسطينيين الذين جاءوا من دول عديدة، إلى ميزان القوى الاقتصادي، وقال إنه يميل بشكل كاسح لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية والغرب، أذكر هاجت القاعة وماجت، لأن المحاضر رجح كفة الإمبريالية التي هي "نمر من ورق" برأي ماو تسي تونغ. وبعد عشر سنوات فقط سيطر "نمر الورق" على العالم، وساد النظام الدولي ذو القطب الواحد، أجيال، في تلك الحقبة، اعتقدوا أن هذا الشعار الذي أطلقه ماو كمجاز أنه حقيقة.
في الأيام الأولى للحرب وخلال النشوة العاطفية سيطرت الشعبوية على عقول الغالبية إلى درجة صدق كثيرون مقولة إن إسرائيل دولة "كرتونية" وهشة من الداخل، وعادت المقولات القديمة الخاطئة لتسيطر. إن إسرائيل لا تحتمل حربا طويلة ولا الخسائر البشرية والاقتصادية، وأنها سترضخ بسرعة. مقولات أخرى، مثل الحرب كشفت نفاق الغرب، وأن الحرب كشفت أيضا أن لا الغرب ولا الشرق ولا عرب معنا، والأعجب أن الحرب قد خلقت تضامنا غير مسبوق مع الشعب الفلسطيني.. هل إلى هذه الدرجة نفتقر إلى ذاكرة متسلسلة متينة؟ في محطات كثيرة بلغ التضامن الدولي ذروته. ففي عام 1974، وفي ذروة صعود الثورة الفلسطينية اعترف العرب والعالم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، الأمم المتحدة تستقبل قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات بزيه العسكري، وتعيد في العام نفسه القضية الفلسطينية، إلى جدول أعمالها كقضية سياسية واعترفت بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
خلال اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومحاصرتها بيروت لأكثر من ثمانين يوما، بلغ أيضا التضامن إلى درجة غير مسبوقة حتى داخل إسرائيل ذاتها، نصف مليون تظاهروا في تل أبيب ضد حرب بيغن - شارون وفي حينه ظهرت للمرة الأولى بتاريخ إسرائيل حركة "السلام الآن"، وفي ذروة الحرب في حينه وكانت كأس العالم لكرة القدم، بعد فوز إيطاليا أعلن لاعبو الفريق الإيطالي بأنهم يهدون الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الكأس.
وعلى ما يبدو أن البعض قد تناسى أو نسي حجم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى التي اندلعت في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 1987، لقد كان العالم بأسره بما فيه الصحافة الغربية مع الشعب الفلسطيني، ومع انتفاضته السلمية الشعبية، وكانت إسرائيل تعيش في حينها في حالة عزلة تامة، الفرق اليوم أن التضامن مع الشعب الفلسطيني لأن إسرائيل تقوم بإبادته، في السابق كان التضامن مع الثورة ومع الشعب الفلسطيني المنتفض على الاحتلال.
أما مقولة ان الحرب كشفت عنصرية ووحشية إسرائيل، فهذا صحيح، بعد أن أبادت أكثر من 30 ألف فلسطيني ودمرت القطاع، ولكن علينا أن نتذكر أن الأمم المتحدة أصدرت قرارا في خريف العام 1975، بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، ما يؤكد أن طبيعة إسرائيل العنصرية ليست اكتشافا جديدا بالنسبة للعالم والرأي العام العالمي، ولم نكن بحاجة أن يدمر القطاع، والأكثر غرابة ترديد مقولة ان إسرائيل دولة "كرتونية"، أو أنها "أوهن من بيت العنكبوت". هذا نوع من التضليل، هو شعار غير حقيقي تماما كشعار "الإمبريالية نمر من ورق"، هذه المقولة تناقض الواقع، لأننا كنا نعلم أن الغرب عمل طوال الوقت لأن تكون إسرائيل دولة متفوقة على الجميع عسكريا وتكنولوجيا، وأنه، أي هذا الغرب، وعندما يشعر أن إسرائيل يمكن أن تكون مهددة يهب بكل قوته لدعمها، فميزان القوى، بما يتعلق بالصراع مع إسرائيل لا يقاس بمنطق إسرائيل مقابل نحن، وإنما إسرائيل والغرب مقابل نحن، وهذه حقيقة اكتشفناها منذ زمن طويل، فلماذا نعتقد أننا نكتشف جديدا؟
ثم القول: إن إسرائيل لا تستطيع خوض حروب طويلة، وكأننا لم نقرأ ولم نطلع على أن حرب العام 1948 استمرت عاما ونصف العام، والتي تطلق عليها إسرائيل "حرب الاستقلال" ولم تكن آنذاك تمتلك جيشا كما هي اليوم. صحيح أن إسرائيل تفضل الحروب الخاطفة، ولكن هي قادرة عسكريا واقتصاديا وأيديولوجيا على خوض الحروب الطويلة ربما أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة. ثم مقولة ان إسرائيل منقسمة على نفسها، هذا صحبح حتى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بالفعل انها كانت منقسمة بشكل حاد، وكانت على شفا حرب أهلية، جاء السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليوحدها من جديد، هناك خلافات في وجهات النظر في إسرائيل حول بعض تفاصيل إدارة الحرب، لكن إسرائيل موحدة حول حرب الإبادة مع الأسف.
الأهم من كل ذلك، ولنقل إن هناك قدرا كبيرا من التضامن الدولي قد تحقق، فالسؤال: من يمكنه استثمار هذا التضامن ونحن منقسمون؟
هذه المقالة ليس هدفها تثبيط العزائم، وإنما هي محاولة للخروج من بعض الأوهام والمقولات الخاطئة، بهدف الوصول إلى قدرة أفضل لوضع سياسات أكثر جدوى، إلى مقاومة أكثر ذكاء، أن نمتلك وعيا عميقا فقط .. وبالوعي الحقيقي يمكن أن نهزم الاحتلال الإسرائيلي.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل