نَقل الأديب
محمد علي طه

تغريدة الصباح...
شدني مقال "منزل موليير" للأديب البيروني العالمي ماريو فارغاس يوسا (جائزة نوبل للآداب 2010) في صحيفة "الشرق الأوسط" في 31 كانون الثاني 2024 الذي باح فيه لقرائه عن سر إعجابه بأعمال الأديب المسرحي جان باتست بوكولين المشهور باسمه الأدبي "موليير" عندما كان يتردد على مسرح "الكوميديا الفرنسية" في خمسينيات القرن الماضي حينما كان شابا فقيرا في باريس لا يملك ثمن تذكرة دخول المسرح، ولا بد لي من أن اشكر الصديق العزيز أيمن عودة الذي يزودني بمقالات هذا الكاتب بالواتساب.
أعادني هذا المقال الرائع نصف قرن الى الوراء عندما باشرت عملي مدرسا في أجمل مدن العالم، مدينة حيفا، ودرست طلابي في الكلية الأرثوذوكسية العربية مسرحيات "البخيل" و"الطبيب رغما عنه و"طرطوف" للأديب المسرحي الفرنسي الساخر العملاق موليير.
في تلك السنوات لم تسمح لي ظروفي الصعبة، الراتب المتواضع والسفر الليلي من القرية الى المدينة لمشاهدة الأعمال المسرحية في المسرح البلدي في حيفا.
جاء في مقال يوسا أن "الأديب موليير كان يلعب دور الشخصية الرئيسية في مسرحية "مريض الوهم" ليلة السابع من شهر فبراير (شباط) عام 1673 عندما سقط فجأة على خشبة المسرح صريع نوبة سعال حاد ظنه الجمهور يومها جزءا من العمل المسرحي، لكن سرعان ما تبين أنه ليس مفتعلا وتوقف العرض المسرحي لينقل الممثل الى منزله القريب حيث حاول الأطباء إنقاذه من انفجار في الرأس، لكنه فارق الحياة بعد مرور أربع ساعات عن سقوطه فوق المسرح وكان يومها في الحادية والخمسين من عمره".
كان الأديب المسرحي في ذلك الزمان كاتبا وممثلا على المسرح في الوقت نفسه، هكذا كان الشاعر والكاتب المسرحي الكبير وليام شكسبير (1564-1616) الذي درست طلابي في تلك السنوات مسرحيته الرائعة "هاملت" التي ترجمها الى العربية الأديب الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا ومن الجدير ذكره أن الشاعر المعروف خليل مطران، شاعر القطرين، ترجم الى اللغة العربية شعرا بعضا من مسرحيات شكسبير.
غرست وزملائي أساتذة الأدب العربي، منهم من انتقل الى رحمته تعالى ومنهم من أرجو لهم العمر الطويل والصحة الجيدة، غرسنا في طلابنا في تلك السنوات حب الأدب الإنساني الراقي حيث درسناهم القصص القصيرة الخالدة لعمالقة هذا اللون الأدبي جي.دي.موباسان وأنطون تشيخوف وادغار ألن بو كما درسناهم روايات "اللاز" للأديب الجزائري الطاهر والطار و "رجال في الشمس" للأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني و "المصابيح الزرق" للأديب السوري حنا مينه، وكان تدريس هذه الروايات العربية الخارجة عن منهاج التدريس الرسمي يعرض المدرس الى التحقيق والتهديد بالفصل عن العمل أو بالمراقبة والملاحقة كما يعرض المشغل الى المساءلة من احدى الدوائر الرسمية.
فصلت وزارة المعارف في أيام الحكم العسكري عددا من المدرسين الذين درسوا تلاميذهم مواد أدبية أو تاريخية خارجة عن المنهاج الرسمي مثل أنشودة "عليكِ مني السلام يا أرض أجدادي" أو "بلاد العرب أوطاني".
وما زال طلابنا وطالباتنا الذين نفخر بهم، وهم كثر، ويشغلون اليوم مراكز علمية واجتماعية وتربوية مرموقة يذكرونني بتلك الأيام ويقدمون لي نقلا منها في لقاءاتي بهم، تذكرني بكتاب "نقل الأديب" للأديب الفلسطيني اسعاف النشاشيبي (ت 1948) والنقل كما جاء في "المنجد" هو ما يؤكل على الشراب كالفستق والتفاح، وفي قرى الجليل يقدمون النقل للضيف في المناسبات وهو عبارة عن المكسرات وبعض الحلوى ويدعون الضيف لتناولها قائلين: تفضل، تنقل!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل