عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 كانون الثاني 2024

هل أحب فلسطين؟

باسم برهوم

قد يبدو سؤالا غريبا، لكني في كل صباح أنظر من نافذة غرفة نومي، التي تطل بالصدفة على ضريح الشاعر محمود درويش وحديقة البروة، على تلةٍ في رام الله يشرف على مدينة القدس، أسأل نفسي: هل أحب فلسطين حقا، أم أنني ضحية الهوية الموروثة؟

في العادة من يرثه الشخص بالولادة، الوطن، والهوية، الدين لا يخضع للتساؤل، أو التدقيق، على الأقل هذا هو السائد، باعتبارها من المسلمات. ولكن أن تكون فلسطينيا فهو أمر صعب ومكلف، ليس في هذا الزمن وحسب، بل ربما في معظم أزمان فلسطين، لأنها كانت عرضة للغزو منذ العصور القديمة بسبب موقعها.

أن تكون فلسطينيا، يعني أنك تعيش تحت الضغط متعدد التطبيقات، لا استقرار، أزمات متلاحقة، حروب مع غياب القيم، كثيرون منا في لحظة تعب يتمنون لو لم يولدوا فلسطينيين لكانوا امتلكوا حياة أكثر استقرارا، وأكثر راحة للنفس والجسد.

وفي كل صباح وأنا أنظر من النافذة، كنت أقول لنفسي: أنا لا أملك شيئا في فلسطين سوى هذه الشقة التي أعيش فيها ومن نافذتها أرى بالكاد جزءا يسيرا من تضاريس فلسطين، لا تتعدى مئات الأمتار، لماذا أحب فلسطين وأنا لا أملك فيها أطيانا على رأي أشقائنا المصريين؟

في مراحل مختلفة من حياتي تجولت في فلسطين من البحر إلى النهر، قد لا تكون هي الأجمل، لكنها جغرافيا صغيرة تتضمن كل أشكال التضاريس والمناخات. مع كل صباح تأخذني النافذة لا إلى ما أراه، وإنما أرى فلسطين كلها في لحظات، أتنقل خلالها بين خيال الذاكرة والمشهد الممتد على طول البلاد وما حولها، أرى الساحل وأصعد إلى كرمل حيفا، ومنها إلى الجليل فطبريا والأغوار وفي أريحا أستريح قليلا عند تل السطان أستلهم تاريخ الأساطير، وعند البحر الميت أتذكر وصف الفيلسوف الإغريقي أرسطو عندما بعث برسالة إلى تلاميذه "رأيت في فلسطين بحيرة لا يغرق فيها أحد كثيرة الملوحة، ولا يعيش فيها سمك".

وعبر النافذة أتجول في تلال الضفة والسناسل الحجرية، ومدرجات أشجار الزيتون واللوز، أستلقي على السرير مجددا وأغمض عيني على شاطئ غزة الذهبي وأستيقظ على صوت الصيادين العائدين مع شروق الشمس ومعهم أحمالهم من كنوز البحر.

أسأل نفسي: هل أحب هذه اللحظات، التي أشعر خلالها أني لا أزال على قيد الحياة، أم أحب فلسطين. هل أحب ما أتخيله أم الواقع؟ هذه الجغرافيا، هذا الطقس، الناس.. الشعور أن هذا المكان الذي يعبر عن هويتي الموروثة التي عشت معها؟

صباحا بعد صباح يزداد السؤال إلحاحا، وبدأت أحب المشهد الصغير وأشعر معه بطمأنينة عجيبة. وأقول بصوت منخفض: أحب هذا المكان، لأنه لي، نعم هو لي.

أحب فلسطين.. وأحلم بالهدوء فيها، وأن استقيظ في هذه الغرفة وأنظر من النافذة، فلسطين لا تزال هنا، وأنا لا أزال، وأشعر باطمئنان وأبدأ يومي الجديد، يوم آخر في فلسطين.. إذن لأجعله جميلا بطريقتي الخاصة، وأشرك معي آخرين في حب المكان خاصتنا نحن.