المعركة الإعلامية... والأبارتهايد الرقمي
عمار جمهور
منذ بداية الحرب على قطاع غزة، طفا بوضوح على السطح ما يعرف بمفهوم الفصل العنصري الرقمي "الابارتهايد الرقمي"، الذي يعتمد بالأساس على الاستبعاد الممنهج عبر الإجراءات والسياسات والممارسات الإعلامية ومنع الفلسطينيين من حقوقهم الرقمية في استخدام منصات التواصل الإعلامي وغيرها من التقنيات الرقمية. وتجلت ممارسات "الابارتهايد الرقمي" من قبل الحكومة الاسرائيلية بدءًابما يعرف بـ"مشروع نيميوس" للحوسبة السحابية الرامي لتحقيق أغراض إعلامية وسياسية وعسكرية، ويضمن بقاء كافة المعلومات المتعلقة بالشؤون الاعلامية والحكومية -بشقيها العسكري والمدني- داخل اسرائيل.
ويهدف هذا المشروع الذي شاركت فيه شركتا "جوجل" و"أمازون"، لتزويد الحكومة الإسرائيلية بتكنولوجيا وتقنيات التجسس وبيانات الذكاء الاصطناعي، إلى إيجاد استجابة عميقة لتوفير وتعزيز الخدمات المتعلقة بالحكومة وتقنين العمل وإجراءاته، وتطوير واقع العمليات الرقمية وتسريعها، وتعزيز إدارة الأصول المرتبطةفي قطاعالتقنيات المعلوماتية في القطاع الحكومي. ومن أهداف هذا المشروع ضمان الحفاظ على ما بات يعرف بـ"السيادة الرقمية المعلوماتية"، وضمان استمرارها في أقصى الحالات وتحسين جودة الأداء الحكومي وتطويره،وتسريع عملية التحول الرقمي. وموازاة لذلك، وبغرض طمس الهوية الفلسطينية، افتتحتدولة الاحتلال مشروعًا تكنولوجيّا -العام الماضي- في حي واد الجوز بمدينة القدس المحتلة "ايس تيك"، لجلب شركات "الهايتيك" للعمل مجانًا تحت عنوان "وادي السليكون"، لإدراك الحكومة الاسرائيليةأهمية المواجهة في العالم التكنولوجي والحرب الرقمية. وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لجمع البيانات والمعلومات بصورة غير قانونية بما يعزز من هيمنتها وسطوتها، ويضاعف نفوذها في صناعة "الهايتيك".
وبطبيعة الحال فتواطؤ الشركات الإعلامية الرقمية تجلى بأوضح صورة خلال الحرب على قطاع غزة، مع ضرورة الإشارة إلى أن المعركة الإعلامية في العالم الرقمي الافتراضي كانت نواة تبلورها الأولى فيما عرف بأحداث الشيخ جراححين حاولت الجمعيات الاستيطانية الاستيلاء على منازل الفلسطينيين لصالح"الاستعمار الاستيطاني" في القدس المحتلة،ليتجلى نفي الفلسطيني وجوديًّا، ونفيه من العالم الافتراضي عبر تكميم روايته الاعلامية والحد من انتشارها عالميًّا، الأمرالذي شكل تحولاًومنعطفًا مهمًّا في الحرب الإعلامية في الفضاء الرقمي أو التقليدي على حد سواء.
انتهاك الحقوق الرقمية من قبل الاحتلال الاسرائيلي بات استراتيجية واضحة وهدفا مركزيا للحيلولة دون وصول الرواية الفلسطينية الى العالم، والتعدي على المحتوى الفلسطيني وانتهاكه، والعمل على فبركة المحتوى الإعلامي الإسرائيلي وتزييفه لنفي الرواية الفلسطينية والحد من تأثيرها. وفي الوقت نفسه، تصاعد باطراد المحتوى الإعلامي الإسرائيلي دون أي إجراءات من قبل شركات التواصل الاجتماعي، التي تغض الطرف عن ذلك، فيما تضع قيودًا على المحتوى الفلسطيني. وبطبيعة الحال، فالجواب لديهم "شركات التواصل الاجتماعي"، بأنه لم يتم الإبلاغ من اي جهة عن وجود تحريض، بالإضافة الى طلبهم التقليدي البديهي بمراسلتهم عن أي محتوى يضمن تحريضًا على العنف والكراهية تجاه الفلسطينيين. وهذا باعتقادي يحتاج الى وقفة فلسطينية جادة لنقل المعركة الإعلامية وإدارتها بطريقة جديدة تهدف إلى إنشاء مؤسسات أو دعم مؤسسات قائمة لرصد منصات التواصل الاجتماعي الإسرائيلي المنتهكة لسياسات ومعايير منصات التواصل الاجتماعي، ومواجهة الحجة بالحجة، وإحراجها لوقف سياسة الكيل بمكيالبن.
بات واضحًا اليوم أن وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت دورًا محوريًّا فيما يعرف بالربيع العربي، وأعطت الفرصة لجيل الشباب لانتقاد حكوماتهم، وساهمت في تغيير بعض الأنظمة والزعماء العرب تحت مسميات براقة كـ"الرأي والرأي الآخر"، و"حرية الرأي والتعبير"، و"حقوق الانسان"، و"الديمقراطية"....الخ- تمارس العنصرية الرقمية أو جدار العنصرية الرقمية فيما يتعلق بالتعاطي مع القضية الفلسطينية والحرب على قطاع غزة، عبر تقييد ملايين المنشورات والحسابات المرتبطة سواء على "الفيس بوك" أو "x"(تويتر سابقًا) اللذين بدورهما أشارا إلى أن الخلل يعود إلى أخطاء في خوارزمية الذكاء الاصطناعي الخاصة به، حيث عملت الخوارزميات على تصنيف التغريدات الداعة للقضية الفلسطينية على أنها رسائل غير مرغوبة أو أنها تتضمن خطابًا مثيرًا للكراهية نابعًا من جهات ارهابية أو متطرفة حال دون نشرها أو مشاركتها. كما منعت "زووم" و"يوتيوب" مؤتمرًا أكاديميًّا عبر الإنترنت لمجموعة من معلمي وطلاب جامعة ولاية سان فرانسيسكو، لمشاركة المناضلة الفلسطينية ليلى خالد فيه. كما امتنعت شركة أمازونعن منح الفلسطينيين الإذن بإنشاء حسابات بائعين في الوقت سمحت لمستعمرينبذلك.
ومنذ الحرب على قطاع غزة، تصاعدت وتيرة القيود المفروضة بطريقة مجنونة لفلترة المضمون الإعلامي الفلسطيني حتى دونإبلاغ المستخدمين أو إخطارهم، وتعزز مفهوم "الأبارتهايد الرقمي" تحت مسميات تعرف بـ"بانتهاك إرشادات المجتمع"، بطريقة متناقضة، فعند الحديث عن الحرب الروسية الاوكرانية، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في تسليط الضوء على جرائم الحرب المحتملة هناك،وساهمتفي تضخيم أصوات الناجين من الحرب،وقدمت خدماتها "منصات التواصل الاجتماعي" بطريقة تساعد الأوكرانيين، فيما تجاهلت جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ومن الملاحظ أن هذه المنصات قللت مدى وصول المنشورات المتعلقة بالشأن الفلسطيني، كان من اللافت قلة عدد المشاهدات للناشطين والمؤثرين على منصات "تيك توك"، و"إنستغرام" وغيرهما.
وعمليا، فقد تصاعد وعي الفلسطينيين بشأن هذه القيود العنصرية المتعلقة بحذف المحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية التي عرفت بـ"ضباب الحرب المدفوع خوارزميا"، وبات لافتًا الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يستخدم لنشر المعلومات الكاذبة والمفبركة والمضللة ضد الفلسطينيين والأصوات الداعمة لقضيتهم، الأمر الذي قاد إلى التحايل على خوارزميات الذكاء الصناعي من قبل الفلسطينيين والحد من هذه الحواجز العنصرية من خلال ما بات يعرف بـ"فواصل الخوارزميات" أو"خداع الخوارزميات".
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل