عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 كانون الأول 2023

أحياء غزة أخذت أسماءها عبر أربعة آلاف سنة

باسم برهوم

مدينة غزة عمرها من عمر تاريخ البشر. ربما قبل ان يظهر الانسان العاقل، مدينة ذكرها التاريخ منذ اكثر من اربعة الاف سنة، عندما بنى المصريون القدماء حصنا لهم في الجزء الجنوبي من غزة الحالية، فقد ورد ذكرها للمرة الاولى في زمن تحتمس الثالث، باسم هازيتو.
وقبل ان نتحدث عن احياء غزة التاريخية والتي تقوم إسرائيل بتدميرها بشكل همجي، لا بد من الاشارة الى ان احد اكثر ازمان غزة اشعاعا بدأت من العصر الهليني "اليوناني" وامتداده الروماني ولكن غزة كانت منارة حضارية وعلمية في العصر البيزنطي. من القرن الرابع الميلادي وحتى الفتح العربي الاسلامي نهاية القرن السابع الميلادي، وبالمناسبة كانت غزة اول مدينة في فلسطين يدخلها الجيش العربي الاسلامي بقيادة عمرو ابن العاص.
وتلقب غزة بأنها مدينة الملوك، فقد غزاها 15 ملكا مصريا، وملوك آشور وبابل والاسكندر المقدوني، والملوك الرومان والبيزنطيين وصلاح الدين الايوبي، وكانت احدى المدن التي كانت قبيلة قريش تعتبرها ممرها التجاري الاهم ومستقرا لها، لذلك سميت غزة هاشم. نسبة الى جد الرسول صلى الله عليه وسلم  هاشم بن عبد مناف القرشي، الذي توفي عام 525 ودفن في غزة.
احياء غزة بعضها يمتد عمره لآلاف السنين، وبعضها لبضع مئات من السنين، وباستثناء الحديث منها، فإن معظمها احياء عريقة لها تاريخها الخاص، واخذت اسماءها اما من اسماء قادة وثوار، او قديسين وصالحين، او من اساطير وملاحم.
في غزة 17 حيا سكنيا القديم منها والحديث، حي الدرج، حي الزيتون، الشيخ رضوان، الرمال، الشجاعية، تل الهوى، تل المنطار، الشيخ عجلين، التفاح، تل السلطان، البلاخية، جحر الديك، البطن السمين، الصبرة ومخيم الشاطئ الذي اصبح عمليا حيا من أحياء غزة.
كل حي من احياء غزة القديم له تاريخ خاص، وروايته الخاصة، والى جانب الكنيسة البيزنطية القديمة (444 م)، فهنك المسجد العمري من العهد المملوكي، بالاضافة قلعة البرقوق وغيرها من المعالم التاريخية والاثرية. ولكل حي من أحياء غزة ناسه وعائلاته وسوقه التجاري ومدارسه ومستشفياته وحدائقه، وفيه حياة ثقافية ورياضية، وكل اشكال الحياة.
واليوم بعد اكثر من شهرين من الحرب المدمرة لم يعد مشهد الأحياء كما كان، وتحول بعضها الى أطلال، كومة من حطام البنايات والمدارس والجامعات، المشهد اكثر بشاعة من مشاهد المدن الاوروبية خلال الحرب العالمية الثانية، او ما يشبه مدينة الموصل العراقية التي دمرتها قوات التحالف عن بكرة ابيها بحجة تحريرها من داعش.
احياء غزة هي اليوم خالية من سكانها، خالية من الحياة، وتحولت الى خرابة واصبحت مناطق لا تصلح للحياة، وقد نحتاج الى سنوات حتى نراها تعج بناسها من جديد.
إسرائيل قامت وتقوم بحرب ابادة، وهي تواصلها من دون ان يوقفها احد، حتى بعد ان استخدم الأمين العام للامم المتحدة حقه المنصوص عليه في المادة 99 من الميثاق لعقد جلسة لمجلس الامن، فهذا الاخير فشل في فرض وقف اطلاق نار في قطاع غزة. فالحرب لم تنته وفصولها لا تزال مستمرة.
اما احياء غزة فتحولت الى جغرافيا لها اسم لكنها فقدت ملامحها. ولم يبق منها الا الاسم ولكن لا شوارع ولا سوق او بنايات والاهم انها بدون ناسها، بدون سكانها، اطفالها، بدون اصوات السيارات وتحيات الناس بعضهم البعض، والسائقين وتلاميذ وتلميذات المدارس، وطلاب وطالبات الجامعات، والعمال، احياء كانت خلية نحل واليوم لفها الحزن وهي لا تزال تتعرض للقصف الوحشي وقذائف بالمئات تتساقط على ما بقي واقفا من الابنية والحارات.
من هجروا من احيائهم  في غزة وتأويهم الخيام قرب الحدود مع مصر يتساءلون: هل كانت هذه الحرب ضرورية؟