"الإذن بالرواية" وصراع السرديات الإعلامية
عمار جمهور

في عام 1984، كتب المفكر الفلسطيني الأميركي والأستاذ في جامعة كولومبيا إدوارد سعيد مقاله الشهير "الإذن بالرواية" "Permission to narrate". الذي بين فيه أن الفلسطينيين محرومون من الرواية، ونشره بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأظهر فيه عمق الانحياز الإعلامي لصالح الرواية الإعلامية الإسرائيلية في تغطية الحرب على لبنان من قبل المؤسسات الإعلامية التي اعتبرها "صاحبة الامتياز" لتحكم ساسياتها الإعلامية والتحريرية بما يسمح بنشره أو ما يحذف ويمنع وصوله إلى الجمهور الغربي. كما كتب مقالا آخر في صحيفة الأهرام المصرية باللغة الإنجليزية عام 2002 بعنوان "The Screw Turns, Again". وتطرق فيه إلى إمكانية تراجع سيطرة وهيمنة وسطوة الحكومات الغربية على وسائل الإعلام الغربية فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط بما فيها القضية االفلسطينية بطبيعة الحال، جراء ما تنتجه الشبكة العنكبوتية "الانترنت".
اليوم ومنذ أحداث 7 تشرين أول والحرب على قطاع غزة، اشتعلت الحرب التقليدية وتسارعت بوتيرة غير مسبوقة الحرب الإعلامية لا سيما حرب السرديات الإعلامية الفلسطينية والإسرائيلية. وحققت السردية الإعلامية الإسرائيلية نجاحات ملموسة في الأسابيع الأولى من الحرب بسبب انحياز وسائل الإعلام الغربية التقليدية سواء أكانت فضائيات أم صحفا للسردية الإسرائيلية، لكنها سرعان ما فقدت صدقيتها بسبب زيف المضمون وعدم وجود الأدلة والبراهين المدعمة للرواية الإسرائيلية لإقناع الرأي العام الغربي بها، ناهيك عن الارتباك في الدعاية الصهيونية سواء أكانت من الحكومة الإسرائيلية أم من الإدارة الأميركية، حيث ردد الرئيس الأميركي جو بايدن رواية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن قطع رؤوس أطفال إسرائيليين خلال أحداث 7 تشرين أول، ثم تراجع عن روايته. وبالرغم من تراجعه فالفعل الإعلامي الأول هو الأكثر تأثيرًا في الرأي العام ويكون انطباعات في ذهنية المتلقي ليس من السهل تغييرها، فتراجع بايدن ليس له الأثر الذي أحدثه ادعاؤه برؤية صور لأطفال مقطعة رؤوسهم.
ولعبت منصات التواصل الإعلامي دورًا حيويًّا مهمًّا في كسب الرأي العام الغربي لصالح السردية الفلسطينية، والقدرة على توظيف الإعلام الرقمي كاستراتيجية فعالة لتفعيل الدبلوماسية الشعبية والرقمية، حيث تصاعدت الحملات الإعلامية الرقمية الفلسطينية الموجهة إلى الجمهور الغربي من قبل مؤسسات وأطر إعلامية وأفراد مؤثرين باللغة الإنجليزية وبلغات أخرى، التي تضمنت مواد إعلامية بكمية هائلة من أرض الواقع تظهر المآسي الإنسانية التي لحقت بالفلسطينيين في قطاع غزة ساهمت بتحريك وجدان ومشاعر هذه الجماهير، ولعبت دورًا أساسيًّا في تحريك الرأي العام، وتجلى ذلك من خلال تنظيم المسيرات والتعبير عن استياء الجمهور الغربي من دعم حكوماته للكيان الصهوني والتغطية على جرائمه في قطاع غزة. وهنا تم المزج ما بين المخاطبة الوجدانية والمخاطبة العقلية الإدراكية.
وبالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت بمثابة شريان النجاة لتسويق السردية الفلسطينية والترويج لها، إلا أن هذه الشركات العملاقة تعمدت استبعاد الأصوات الفلسطينية واعتماد منهجية المحو أو المسح المتعمد ومحاولة طمس السردية الفلسيطينية، وباتت تشكل تحديًا جديدًا للصوت الفلسطيني من خلال سياسات إدارة المحتوى الرافضة للرأي الآخر بالولوج من خلال الرأي العام الغربي. وهذا لم يكن وليد هذه الفترة "العدوان على القطاع"، فمنذ سنوات وإسرائيل تحاول محاربة المحتوى الرقمي الفلسطيني النضالي، حيث أوجدت ما يعرف بمجلس الرقابة على فيسبوك الذي أسسه المدير العام السابق لوزارة العدل الإسرائيلية، إيمي بالمور لمراقبة المحتوى الرقمي الفلسطيني وإزالته بالتوافق مع شركة "فيسبوك".
وليس من الغريب انجذاب شركات وسائل التواصل الاجتماعي مع الرؤية الاستعمارية الغربية تجاه مراكز النفوذ والقوة في البنية الاستعمارية الرأسمالية والإمبريالية الأميركية فهي تتشارك معها بالمآرب نفسها وتتعدى ذلك لتكون شريكة مع وزارة الدفاع الأميركية والحكومة الإسرائيلية من خلال المراقبة وتحليل البيانات الضخمة. ولا يمكن اختزال الصراع الإعلامي الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي بأنها تأتي ضمن التأثير الإسرائيلي عليها فقط، وإنما في واقع الأمر هي شركات تقوم على خدمة المشروع الاستعماري الذي يتجلى حاليًّا بصورة الولايات المتحدة الأميركية، التي تحكمها مصالحها وتهمها استثماراتها الاقتصادية- شركات التواصل الاجتماعي- التي باتت البيانات جزءًا أصيلاً منها.
وبعد مرور عشرات السنين على أطروحات إدوارد سعيد، إلا أن المعضلة ما زالت ماثلة منذ اجتياح لبنان حتى الحرب على قطاع غزة اليوم، ومحاولة إخماد الصوت الفلسطيني وطمسه ومحو إنسانيته مستمرة وبلا هوادة، ولكن من الاهمية بمكان الاستمرار في التحديث والمقارعة، والاستمرار في خوض المعركة الإعلامية لفضح ممارسات الاحتلال وجرائمه بحق الفلسطينيين وجرائمه الاستعمارية وجرائمه بحق الأسرى في سجون الاحتلال. الحرب على غزة حرب إعلامية بامتياز، والصراع الدائر يتمحور في جوهره حول صراع السرديات الإعلامية وسردية المحتوى والمضمون الرقمي، وإدارته بطريقة هادفة ومقصودة، من خلال السياسات الناظمة للوصول للهدف المنشود وهو ايصال الرواية الحقيقية عن طبيعة الصراع وخلفيته الفكرية والسياسية والتاريخية، وتحديد الجمهور المستهدف وهو بطبيعة الحال الجمهور العالمي ولا سيما الغربي، لتغيير انطباعات الرأي العام المغلوطة حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سواء كانت مقصودة أو عفوية، ومحاورته بالدلائل والحقائق والبراهين العقلية، لدفعه لتبني موقف مساند للقضية الفلسطينية، ومن ثم ترجمة ذلك إلى سلوك فعلي على أرض الواقع.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل