عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 تشرين الثاني 2023

إنها رهام عودة!

د.رمزي عودة*

لم تبتعد الطائرة الزنانة كثيراً عن بيتها، إلا وضج المكان بآليات جيش الاحتلال، فجروا أبواب المنزل، اقتحموه بالعشرات، صوبوا البنادق على الأطفال، بحثوا في كل شيء، وفتشوا كل شيء، لم يجدوا غسان، زوجها الذي أمضى أكثر من 16 عاما في الاعتقال، جلها اعتقالات إدارية متكررة. سحبوا مينا الصغيرة من يدها كي يضربوها، فأبت وكأنما تحتمي بها، فضربوها وضربوا ابنتها، هددوها بتفجير المنزل واعتقالها اذا لم يسلم زوجها نفسه لسلطات الاحتلال، كسّروا محتويات المنزل الذي انتهت من بنائه وتجديد أثاثه قبل شهرين فقط. حرقوا الصور والذكريات، دمروا كل شيء سوى الصمود والكرامة.

"هذه المرة تختلف"، تقول رهام. لقد هددوها بقتل زوجها وتفجير منزلها! لقد صرخوا بوجهها وسخّروا كل الكلمات النابية لترويعها، لقد ضربوها على رأسها بالبندقية وتوعدوا بتكسير رأسها في المرة التالية، توعدوها بالانتقام لما حدث في 7 تشرين اول! إنها رأت في أعينهم الحقد والرغبة في الثأر والانتقام.

تماسكت رهام أمام الجيش وأمام أبنائها. ولكنها بكت طويلاً عندما احتضنها زوجها الذي قدم للاطمئنان على عائلته بعد خروج الجيش من المخيم. وعلى عكس ما هدف إليه الجيش من ترويعها لإجبارها على الضغط على زوجها من أجل تسليم نفسه، طلبت من غسان عدم تسليم نفسه. قالت له إنهم سيقتلونك. إنهم حاقدون وفي أعينهم الغدر والحقد. قالت له "لا نريد أن نراك شهيداً كما استشهد أخوك معتز. ولا نريد أن يصورك هذا الجيش الهمجي وأنت عارٍ كما فعلوا مع الآخرين، ولا نريد أن يجبروك على حمل العلم الاسرائيلي وأنت الذي ناضلت كل هذه السنين من أجل الحرية والاستقلال".

نزحت رهام من بيتها في مخيم الدهيشة الى بيت آخر في المخيم كي تبتعد عن مواجهة اقتحامات الجيش المتكررة لبيتها، أما غسان فقد نزح في شوارع المخيم، ينام تارةً في هذه الحارة، وتارةً في هذه السيارة، وفي أغلب الأحيان لا ينام. إنها باختصار قصة مخيم الدهيشة بعد السابع من تشرين اول، اقتحامات همجية واعتقالات بالمئات، شهداء يتساقطون دون أي ذنب، أطفال يرتعبون من أصوات القنابل ويبكون مع صرخات أمهاتهم، شباب بالمئات يعتقلون لأنهم تداولوا صور الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وآخرون يعتقلون لأنهم كانوا في السابق أسرى، وآخرون يعتقلون لأن جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي "الشاباك" يقلق منهم!. يجرد المعتقلون من ملابسهم، يضربون ضرباً مبرحاً، يصورهم ضباط الجيش بأوضاع مهينة وينشرون صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي!. ومع كل هذا يبقى المخيم أسطورة للنضال، وتبقى رهام عودة أيقونة زوجات الشباب المطاردين في المخيم.

------------

* الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي