أسئلة اليوم التالي للحرب
باسم برهوم
.jpg)
حرب بشعة بكل المعايير تدور، ضحيتها الرئيسية الشعب الفلسطيني بشكل عام وفي غزة بشكل خاص. والعمليات العسكرية تتدحرج بسرعة نحو الفصول الابشع، ولا يبدو أن هناك من يستطيع وقفها في هذه المرحلة، ومن بيديه القدرة على وقفها لا يريد بل يدعم بقوة إشعالها. والآخرون يترقبون ومنشغلون بتطوراتها وبالكيفية التي ستتوقف عندها، وخلال ذلك التفكير بالطريقة التي من خلالها مساعدة المدنيين الفلسطينيين في غزة الضحية الاكبر للحرب والذين يجري قتلهم بدم بارد وكأنهم ليسوا بشرا. بالرغم من هذا الانشغال، وبالرغم مما يعتصر قلوبنا من ألم وحسرة، ونحن ننظر بعمق لتطورات الحرب وما قد تكون عليه النتائج. خلال ذلك علينا أن نضع الأسئلة بخصوص اليوم التالي لانتهاء الحرب، كيف سنتعامل معه سياسيا ووطنيا وإنسانيا، وكيف يمكن أن نحمي القضية الفلسطينية من محاولات التصفية، وبأي طريقة سنتصرف وطنيا ومع علاقاتنا العربية والدولية والأهم كيف سنقيم كل ما جرى ولماذا وصلنا إلى ما وصلنا اليه، وأسئلة كثيرة اخرى.
في إسرائيل على سبيل المثال يتحدثون علنا عن محاسبة الحكومة ونتنياهو والقادة الأمنيين على تقصيرهم، والذي قاد إسرائيل للدخول في هذه الحرب بكل ما فيها من خسائر بشرية واقتصادية..الخ. وبالتأكيد ستشهد إسرائيل بعد انتهاء الحرب ورشة كبيرة وستعيش أزمات سياسية عميقة قد تستمر لسنوات. لكنهم في النهاية سيجرون تقييما وسيحاسبون كل من كان السبب فيما حصل. وعلى الاغلب رؤوس سياسية ستدفع الثمن وحتى أحزاب وتيارات سياسية، ما قد يغير الخارطة السياسية في إسرائيل.
ربما من المبكر طرح أسئلة اليوم التالي. وان مهمة حماية القضية الفلسطينية وابقائها في المعادلة السياسية لما بعد الحرب له الاولوية اليوم، وصحيح ان التركيز يجب ان ينصب على وقف عملية التطهير العرقي في غزة ومنع تهجير المواطنين الى خارج القطاع، ولكن في نهاية الامر الحرب ستتوقف وسيكون امامنا واقع جديد، واقع انساني وسياسي، واقع وطني جديد، وواقع مختلف للقضية الفلسطينية، من هنا اهمية طرح الاسئلة لنكون جاهزين ولدينا تصور مؤقت وإجابات مؤقتة بعضها قد يتغير مع الكيفية التي ستنتهي اليها الحرب ولكن بعضها الاخر اصبح ممكن تخيله. على سبيل المثال كيف سنتعامل مع مئات الآلاف من المواطنين الذي اصبحوا لاجئين بلا مأوى، وقد يدفع بعضهم الى خارج القطاع، وفي حينها وكيف سنحافظ عليهم من مافيات التهجير عبر البحر وإعادتهم باسرع وقت الى مدنهم وأحيائهم، هذا السؤال يقود الى السؤال الاهم كيف سنعيد إعمار قطاع غزة وبأي طريقة ومن أين يمكن أن نحصل على التمويل ومن سيشرف على هذه العملية وخطط إعادة البناء سواء المساكن أو البنى التحتية التي ستكون مدمرة بالكامل؟
ومن ثم وبعد ذلك ياتي السؤال الوطني كيف سنتعامل مع الانقسام السياسي، والذي كان سببا من بين أسباب أخرى لما جرى؟ وهناك سؤال حول مستقبل الضفة، وأهمية تحصين الوضع السياسي في الضفة وإنهاء الانقسامات والشرذمة فيها؟
وكيف ستتم عملية التقييم لما جرى وطرح النتائج على الرأي العام الفلسطيني، فليس من المسموح أن يمر كل ذلك ونقلب صفحته دون أن يعرف الشعب الفلسطيني الذي جرى تماما. واحدة من أخطر الأشياء التي نكررها وتتكرر معها المآسي. هو غياب التقييم وأخذ الدروس والعبر، وليس المقصود هنا حصر المشكلة في جهة بعينها بل تقييم الحالة الوطنية الفلسطينية كلها. بعد ذلك تأتي الأسئلة الأكثر إستراتيجية، أن نتوقع المبادرات السياسية التي قد تعقب الحرب، فلا يمكن أن ينتهي حدث بها الحجم من دون أن يتبعه مبادرات سياسية، وهنا أهمية أن نسأل ونتوقع طبيعة هذه المبادرات وكيف يمكن أن تكون ردود أفعالنا عليها أو أن نكون فاعلين ولنا دور في صياغتها؟
أسئلة كثيرة أخرى، ربما من المهم أن نشكل فريق عمل يجمع بين المستوى السياسي وخبراء مختصين، يعمل بشكل مستقل عن الإدارة اليومية للأزمة الحالية. أن يكون هذا الفريق مطلعا على ما يجري وما قد يحدث ويتوقع الاحتمالات وبطرح سيناريوهات ويضع تصورات للحلول وتحديد المواقف.
الشعب الفلسطيني يمر بلحظة تاريخية مصيرية، وهي لحظة ثقيلة جدا جدا وتحتاج إلى الذكاء والعقل وليس للخطاب الشعبوي الذي قد يأخذنا إلى مكان لا نريده، ويعرضنا لخسائر سياسية أكثر فداحة، عبر تاريخ الصراع لاحظنا أن من كان يأخذنا إلى الأوضاع الأسوأ هو هذا الخطاب العاطفي الشعبوي البعيد عن المعرفة العميقة، هل نكرر الأخطاء ذاتها في هذه اللحظات المصيرية؟
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل