عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2023

صورة الأيام العشرة!

تغريدة الصباح - حسن حميد

ها هي الأيام تمر تترى، ثقيلة في حمولتها، جليلة في دروسها، ولخطوها جلجلة، ولأنفاسها لهيب، ولأخبارها عطوب وندوب، ولأهلها أحلام محمولة من وقت إلى وقت، وهي مصانة، كما لو أنها النذور الواجبة.

ها هي صورة غزة، وقراها وبلداتها، وبعد أيامها العشرة، بادية بكل التفاصيل والجروح والشواغل اليومية، يجسدها أهلها الصارخون في سمع العالم الأصم كيما يلتفت نحوهم، ولو للحظة واحدة، وهم يتعرضون لمذبحة في ظل التشدق الأجوف بحقوق الإنسان، والشرعة الدولية، والديموقراطية، ومفهوم السيادة، ولا أحد في الغرب يريد أن يصدق ما يراهم عليه، أو يتعاطف معهم، وهم يفرون من مكان إلى مكان آخر طلبا للنجاة من الموت الإسرائيلي الذي يطاردهم من البر والبحر والجو، منذ 75 سنة وحتى هذه الساعة.

الآن، وبعد عشرة أيام ثقال في حزنها، ورماديتها، وحيرتها، تتجلى الثنائية النقيض بين المحتل الإسرائيلي، وأهل الأرض، أما المحتل فيمارس القتل اليومي، بتقنيات حديثة، وبتوريث جيلي يتعلمونه في المدارس والبيوت حتى صار صورتهم وهويتهم وصيغة عيشهم، وحرزهم المكين، أما أهل الأرض فهم تحت سطوة هذا المحتل، ينادون بالحرية ويسعون إليها منذ 75 سنة بتمامها واكتمالها، وهذه الثنائية مصحوبة بآثار ثنائية أخرى، هي ثنائية ظالمة لعالم عجيب، طرفها الأقوى هو الغرب الذي يهرع في كل مرة، ومنها هذه المرة، بطائراته، وأسلحته، وساسته، ونفوذه، وأوامره، وتهديداته، وإعلامه من أجل إنقاذ الكيان الصهيوني حتى لو تعرض لوخز الشوك، أو لهبات غبار غير محتملة، وطرفها الأضعف عالم لا حول له ولا قوة.

أجل، خلال هذه الأيام العشرة الماضية، بات المشهد واضحا، خوف هائل يلف الكيانية الصهيونية من البيت إلى المدرسة إلى الشارع إلى طائرات الـ F16، وتخبط مشين وهلع غير مسبوق، وارتباك يطال كبيرهم وصغيرهم،

هذه المرة، وعبر هذا الفعل الوطني الفلسطيني، ليس ما يهدد الإسرائيلي وخز شوك، ولا هبوب غبار غير متوقع، وإنما يهددهم حضور الحقيقة الفلسطينية، وهي بكامل هيبتها كي تضع صورة الإسرائيلي القاتل والمستبيح للدم الفلسطيني طوال 75 سنة، في قلب المرآة التي تهرب من مواجهتها 75 سنة أيضا، ليرى ما اقترفت يداه من قتل جعل المقابر الفلسطينية قرى، مثلما جعل أحزانهم حقولا من عتمة راعبة.

الآن، حاملات طائرات، وفرقاطات، وغواصات، تحتل البحر الأبيض المتوسط، وفيها، وفوقها، وتحتها، وبجوارها، قوة عسكرية مخيفة، منها الطائرات، والمدافع، والأسلحة النووية، وكل ذلك من أجل إسناد الإسرائيلي المحتل الذي بكى، وصرخ، ونادى، واستغاث بالغرب الذي أسس كيانته وتعهد بحراستها كي يهرع إليه لإنقاذه من جهة، وكي يبيد أهل غزة ويدمرها.. بيوتا وأحلاما!

والآن الغرب المتوحش، وفي الزمن الموحش، يطالب مرة أخرى بتهجير أهل غزة! يطالب بتهجير 2،2 مليون إنسان، نصفهم أطفال، إلى صحراء سيناء، وهو الذي قرأ في الكتب الدينية والبشرية، ولا سيما القانونية والجغرافية منها، أن غزة هي أرض الغزيين، وأن فلسطين هي أرض الفلسطينيين، ولكنه مع ذلك يريد، وبالوقاحة التامة، أن يعيد فعلته الشائنة التي اقترفها عام 1948، حين هجر الفلسطينيين وشردهم على المنافي القريبة من أرضهم والبعيدة عنها!

والآن، يعرف الغرب المتوحش أيضا، أن الإسرائيلي المتباكي، يقطع عن 2.2 مليون إنسان في قطاع غزة الماء، والكهرباء، والوقود، ويمنع دخول الغذاء والدواء، ويطارد كل ما هو حي ومتحرك في الشوارع، مثلما يعرف أن النفاد أصاب كل شيء في غزة، فما من خبز، ولا ماء، ولا طعام، ولا أدوية، ولا سيارات إسعاف، ولا وسائل اتصال اجتماعي، مثلما يعرف أيضا أن الإسرائيلي الذي يعيش في عالم من الهيستيريا، حكم على 2.2 مليون من أهل غزة بالإعدام بعدما رماهم بالمناشير المطالبة بخروجهم من مكان إلى مكان، ثم قتلهم في المكان الذي أرشدهم إليه، ويعرف الغرب المتعامي أيضا أن الإسرائيلي يطالب أصحاب المشافي بأن يخلوها ممن هم فيها، وأن تغلق أبوابها! ومثل هذا الأمر لا سابقة له في العالم؛ وهذا الغرب  أيضا يعرف جيدا أن الإسرائيلي وعبر صورته الراهنة، هو مجنون، وبيده أحدث أسلحة الدنيا التي زودته بها حاملتا الطائرات الأميركيتان جيرالدفورد، وأيزنهاور، من أجل المزيد من القتل والجنون، وكان على الغرب بداهة، أن يدرك بأن السلاح لا يوضع بيد مجنون!

في حال كهذه، ما على أهل الأرض، أهل غزة الذين دمرت بيوتهم، وقتل أطفالهم، وتعالت أحزانهم، وسدت المنافذ عليهم، أن يفعلوا؟ الإجابة الوحيدة، وبكلمة وحيدة هي: المواجهة.. للتطهير العرقي الذي يتعرضون له! ليس من أجل أن يسمع الغرب ويرى ويدرك أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وإنما من أجل أن تبدو صورة العدالة وهي تشق ستارظلموت إسرائيلي بشع مضى على وجوده 75 سنة، وقد جاءت لحظة النور التي حلم بها الفلسطينيون مدة 75 سنة أيضا، ولا بد من عيشها، والمشي في ظلالها أيضا!

[email protected]