"بابا: شو أخبار بيتنا؟"

غزة- الحياة الجديدة- عماد عبد الرحمن- وسط صالة شقته السكنية وفي حوالي الساعة الثانية والنصف ظهر اليوم الثالث للعدوان الاحتلالي المتواصل على قطاع غزة في إحدى بنايات شارع القدس الممتد من دوار أبو مازن الى دوار أنصار في حي الرمال الجنوبي غرب مدينة غزة، وقف الطفل آدم خليل ذو الثمانية أعوام بعيون محدقة باتساع وفاه مفتوح ينصت لأخويه عبد الرحمن ويزن الأكبر منه سنا وهما يتهامسان حول معلومة تلقاها أحدهما على هاتفه المحمول تفيد بضرورة إخلاء منزلهم لأن الحي سيقصف على رؤوس ساكنيه.
لم يستوعب عقل آدم الصغير ما سمعه، ولكن عيناه استطاعت أن ترصد بدقة متناهية تفاصيل ما يدور حوله ليدرك بعدها أن هناك أمرا خطيرا ينتظره هو وأفراد أسرته التي أسرع أفرادها الخمسة بالخروج من المنزل بملابس البيت حاملين حقيبة صغيرة تم تحضيرها مسبقا على الباب فيها أوراقهم الثبوتية فقط.
وفي لحظة خاطفة سقطت من إحدى يديه لعبته الصغيرة التي كانت ملهاة له عن أصوات الطائرات الحربية والقصف المستمر من حوله منذ اليوم الأول للعدوان وامتدت يده الأخرى باتجاه اخته الكبرى نغم التي امسكت بها بقوة ليجد نفسه على سلم البناية وسط عشرات المواطنين المهرولين نزولا باتجاه الشارع دون وجهة أو دراية بمصيرهم المجهول.
في الشارع كانت عيون آدم معلقة بالسماء بإدراك فطري بالخطر القادم منها، وبعد مسافة قصيرة شعر بألم أصاب رجليه ليدرك أنه حافي القدمين هو وأخته الكبرى ولكنه لم يتوقف عن الركض مع أفراد أسرته وسط عشرات الأسر التي وصلت الى دوار أبو مازن وبدأت تتفرق في جميع الاتجاهات كقطع الزجاج المنثور بحثا عن مأوى آمن.
على بعد مئات الأمتار لجأ آدم وأسرته الى إحدى البنايات التي يقطنها أقاربه على امتداد نفس الشارع جنوب دوار أبو مازن ليجد نفسه من جديد وسط عشرات الأسر المرسومة على وجوهها الشاحبة علامات القلق متحصنة بـ "بدروم" البناية مستسلمة لقدرها المحتوم.
نصف ساعة فقط شعر فيها آدم بشعور أمان وهمي انتقل له من والديه بعد محاولاتهما المتكررة تهدئته، وسرعان ما زال بعد أول قصف من الطائرات الحربية الاحتلالية على الحي السكني كله، وما زالت عيون آدم ترصد ما يدور حوله بدقة أكثر وأكثر وتوثق ذاكرته مشاهد تلك الوجوه المرتعبة ودموع الأطفال والنساء ودعوات الرجال وابتهالاتهم المختلطة بأصوات الطائرات وصفير صواريخها ووحشية انفجاراتها وما صاحبها من ارتجاجات في المكان ورائحة البارود وضبابية المكان لحد صعوبة الرؤية من آثار الردم والدمار المحيط به.
على مدار اثنتي عشرة ساعة لم يتوقف هذا المشهد وكل ما يفعله آدم هو وضع أصابعه الصغيرة في أذنيه لتخفيف حدة الأصوات من حوله وما زالت عيناه محدقة تارة في الوجوه وتارة أخرى نحو السماء فاتحا فاه، وعندما يتوقف القصف لدقائق محدودة فإن كل ما ينطق به "بابا شو أخبار بيتنا، كلم حارس البناية طمنا على بيتنا".
مع بدايات نور صباح اليوم الرابع للعدوان الاحتلالي بدأ بعض الرجال بالخروج بحذر للاطمئنان على منازلهم وهنا كانت الصاعقة، لم يعد في الحي بناية صالحة للسكن، أغلب بنايات الحي دكت بالأرض، الشوارع لا تصلح للمشي عليها حتى بالأقدام، حجم الدمار مهول، الحرائق في كل مكان، اختفى الحي من على الخارطة.
بدأ آدم يتلصص على أحاديث الرجال بعد عودتهم ليدرك أخيرا أنه لم يعد لديه بيت يؤويه وأن ذكرياته البسيطة في هذا المكان مُسحت تماما، ما اضطر أسرته لاصطحابه لمكان آخر أبعد عسى أن يكون أكثر أمنا، وبالفعل وبعد محاولات مضنية محفوفة بالمخاطر غادر وأسرته مدينة غزة متوجها للمنطقة الوسطى.
في مأواه الجديد وغير الآمن أيضا، لأن قطاع غزة كله أصبح غير آمن، فوجئت أسرة آدم بأنه كبر كثيرا وأصبح أكثر نضجا، فما زالت أصوات الانفجارات تسمع، ولم يعد يخاف منها بعد هول ما سمعه ورآه في يومه السابق.. مسحت ذكريات آدم في مسقط رأسه ولكن ذاكرته وثقت وامتلأت بوحشية أفعال الاحتلال الإسرائيلي بحقه وحق شعبه.
مواضيع ذات صلة
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!
قباطية: اقتحام ومداهمة منازل أعضاء قوائم انتخابية