عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 تشرين الأول 2023

دبلوماسية زملط... وارتباك أفيخاي

عمار جمهور

يخوض السفير الفلسطيني في لندن، حسام زملط، معركة دبلوماسية، ودبلوماسية رقمية، تستحق التقدير والإشادة، خاصة في سرد الرواية الرقمية الفلسطينية؛ لفضح الانحياز الواضح للإعلام الغربي، لا سيما الأميركي والبريطاني، في تغطياته -منذ عقود- للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وهذا بطبيعة الحال، ليس مفاجئا إطلاقا، لكنّ الجديد هذه المرة، هو القدرة الفلسطينية على محاورة هذا الإعلام، واستخدامه كبوابة للوصول إلى الجمهور الغربي. فقد تمكن زملط –باقتدار- من تقديم الرواية الإعلامية، والسياسية الفلسطينية في أبهى حالاتها، وذلك بأسلوب متوازن وعقلاني وواقعي، لدرجة أن المحاورين "الإعلاميين"، الذين استضافوه، فقدوا القدرة على سير مجريات هذه المقابلات، وفقا لمآربهم الإعلامية والسياسية -أو على الأقل- فشلهم في تحقيق اختراق إعلامي ممكن في الجبهة الفلسطينية؛ لتجزئة الرواية الإعلامية الفلسطينية، والتشكيك بوحدتها وتفتيتها.

 وبطبيعة الحال، فإن لكل مؤسسة إعلامية سياسة وأجندة إعلامية، تهدف -من خلالها- إلى تحقيق تأثير ما؛ دفعا للجمهور لترسيخ قناعات وتعزيز أخرى. فقد بدأ المحاورون لقاءهم لزملط بأسئلة صادمة ومستفزة، لإيقاعه بمأزق الدفاع عن الذات "كفلسطيني ودبلوماسي"، ودفعه لتقديم تبريرات غير مقنعة، إلا أن الأمر فاجأهم، ولم يكن متوقعا، والمتمثل بنقده لسياساتهم الإعلامية والتحريرية، وكشفها على الملأ وأمام جماهيرهم العريضة، ليتحول اللقاء، من منصة لجلده، إلى منصة لسرد الرواية الحقيقية والترويج لها. وقطع الطريق عليهم في محاولة لأخذ تصريحات إعلامية مغايرة، تتماشى وأهدافهم الرامية إلى تجييش الرأي العام الغربي لصالح الكيان الصهيوني، وربط النضال الوطني بالإرهاب.   

 وبطبيعة الحال إن هذه المنابر الإعلامية الدولية بمثابة ترسانات إعلامية مؤثرة في الرأي العام الغربي. فهذه المنابر -دون شك- لعبت دورا محوريا وتاريخيا، في حشد الرأي العام الغربي، وتجييشه لاحتلال العراق، وإقناعه بأنه -العراق- يمتلك أسلحة دمار شامل، ليتضح لاحقا كذب ادعائها، وتلاعبها بالرأي العام؛ لخدمة أهداف سياسية، وعسكرية، لجورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، وطوني بلير رئيس الوزراء البريطاني في حينه، ومع ذلك فما زال لها دور إعلامي عالمي مهم، وتحتفظ بنسبة عالية من المشاهدات، إضافة إلى المكانة المرموقة، التي يحظى بها إعلاميوها. فهم محاورون بارعون، مشهود لهم، وباعهم طويل، وخبراتهم واسعة، فمنهم من حاور رؤساء الولايات المتحدة، وقادة عالميين آخرين، لهم ثقلهم ووزنهم السياسي والفكري.

ومن أبرز عوامل نجاح زملط، اتقانه للغة الإنجليزية، مستهدفا –بذلك- الجمهور الغربي. وكذلك ترجمة هذه المقابلات للغة العربية، ما يضمن تعزيز الالتفاف حول روايته السياسية الإعلامية فلسطينيا وعربيا، وإعادة نشرها ونقل مضمون حديثها الإعلامي على صفحاته عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت -روايته- كدليل استرشادي، لعدد من النشطاء السياسيين والمؤثرين، والإعلاميين الذين راحوا يرددونها في مقابلاتهم الإعلامية، ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتعزيز دبلوماسيتهم الرقمية، وتمتينها والترويج لها عربيا ودوليا.

واستطاع زملط -بدبلوماسية وبـ-حنكة وحرفية عالية- التشكيك في موضوعية، وحيادية، ومنطقية الأسئلة الموجهة إليه، عبر التشكيك في صحتها، وتوقيتها، وطريقة طرحها. ورفض الإجابة عى الأسئلة الرامية لإدانة الهجوم الفلسطيني على مستعمرات غلاف غزة، وإعادة الحوار السياسي الإعلامي إلى جذور الصراع، وأصله الممتد منذ أكثر من سبعين عاما، مبتعدا عن الأعراف الرسمية في هكذا مواقف، فحينما تطرح هكذا أسئلة على السياسيين تكن الإجابة "لا تعليق"، أو أن يتهرب المسؤول، ويراوغ بطريقة تقليدية، ملتويا على الإجابة بضبابية. أما زملط فقد كان واضحا في رده، وواضحا في إجابته، بأنه يرفض الإجابة، ويبرر بطريقة منطقية ومقنعة، فالاسئلة التي طرحت عليه لم يسبق ان طرحها الاعلام الغربي على اسرائيليين ارتكبو جرائم سابقة بحق شعبنا.

وانتقد الخطاب الإعلامي الغربي في التعامل مع الشعب الفلسطيني، كوحوش بربرية في محاولة لتبرير قتله، وإعطاء غطاء للكيان الصهيوني؛ لشن إبادة جماعية بحق الفلسطيني. فنزع صفة إنسانية، يعطي الضوء الأخضر لتبرير القتل، وهذا موضوع خطير جدا، كونه يعيد إنتاج الخطاب الاستعماري الاستشراقي في كيفية تمثيل "الأنا" و"الآخر" في الإعلام الغربي، وكيفية تصويره  للاخر على أنه (همجي، بربري، متعطش للقتل... إلخ) ونفيه ونفي وجوده وبالتالي قتله واقتلاعه من ارضه ومن جذوره كما عملت امريكا مع الهنود الحمر، وجر جملة من الإسقاطات الكاذبة، الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول الذي طرحه المفكر الفلسطيني "إدوارد سعيد" في كتابه "تغطية الإسلام"، وكتابه "الثقافة والإمبريالية"، وفي كتابه الأهم -أيضا- "الاستشراق". وبطبيعة الحال، هذا ما بات يروج له وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي، الذي وصف النضال الفلسطيني بالوحوش البشرية، وكذلك المستوى السياسي على لسان رئيس كيان الاحتلال، الذي خلق خطابا لربط النضال مع ما كان يعرف بتنظيم الدولة "داعش"، ويتجلى ذلك -بوضوح- في خطاب بايدن الاستعلائي الفوقي الاستشراقي، في دعم الكيان الصهيوني لإبادة قطاع غزة. فهذا الاحتلال اداة من ادوات الاستعمار الاحلالي الرامي لنفي شعب وانكار وجوده واستبداله بآخر.   

أما على  الجانب الآخر، فقد أخفق الإعلام الإسرائيلي، وارتبك في تقديم روايته، التي بدأت تتمحور حول ربط النضال الوطني الفلسطيني  بـ"داعش"، ونزع  إنسانية الشعب الفلسطيني، وكذلك تشتت كثيرا في تقديم أسباب الإخفاق، وتبادل الاتهامات بين المحللين العسكريين، والسياسيين والأميركيين، بطريقة غير مسبوقة. وبالتركيز على الناطق باسم ما يعرف بجيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، فقد بدا -في عدة مقابلات إعلامية على الفضائيات العربية- مرتبكا مستفزا متوترا،  ينتابه شعور الذل والإهانة، متلفظا بكلمات نابية، غير لائقة، إضافة إلى غياب المعلومة. وبدا -في أكثر من مقابلة- هجوميا، يفتقد لعناصر قوته السابقة -إن وجدت- ولقدرته على الإقناع، وبدا غير قادر عن الإجابة عن الأسئلة التي وجهت إليه بطريقة واثقة، بل كان أكثر ترددا وانفعالا. وقدم محتوى إعلاميا غير دقيق، ومضللا وزائفا، ربط فيه صورا لانفجارات في سوريا، محاولا تسويقها على أنها في قطاع غزة، وذلك في محاولة بائسة إلى استعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي الذي فقدها في منظومته العسكرية والأمنية والإعلامية.

ما زالت المعركة ببدايتها، ومن المهم تكثيف الدبلوماسية التقليدية، والدبلوماسية الرقمية، والشعبية؛ لخدمة الرواية الإعلامية الرقمية الفلسطينية، والترويج لها، ودعمها، وتعزيزها؛ لتحقيق الزخم المطلوب إعلاميا، ولفضح كذب الاحتلال، وادعاءاته المضللة، والمفبركة؛ لاستعطاف الرأي العام الغربي، طمعا في دعم الكيان الصهيوني. ومن المهم -أيضا- البناء على تجربة زملط، والسير على خطاه، فالصراع، صراع وجودي، يحتم علينا توحيد روايتنا الإعلامية الوطنية؛ لحشد الرأي العام الدولي، لصالح القضية الفلسطنية، وفضح ممارسات الاحتلال، وأفعاله الانتقامية، بحق أبناء شعبنا. وما باتت تمارسه إسرائيل أكثر من مجرد دعاية إعلامية زائفة.