"البقيعة" يجود بـ "العنبر" رغم تذبذب الأمطار
مزارعون يعوضون شح الأمطار بالري التكميلي

طوباس- الحياة الجديدة- ميساء بشارات– يُصر المزارع محمد الزبن (63 عاما) من بلدة طمون، على الاستمرار في زراعة المحاصيل الحقلية، وعلى رأسها محصول القمح في سهل البقيعة شرق بلدة طمون، رغم الآثار السلبية لتدني الهطولات المطرية.
وبات تأخر هطول الأمطار وتذبذب كميات يؤثرا بشكل كبير على نمو وإنتاج المحاصيل البعلية، ما أدى إلى تراجع إقبال المزارعين على زراعتها، وذهب عدد كبير منهم إلى استبدال الزراعات البعلية بالمحاصيل المروية.
ويتغلب الزبن على عدم كفاية مياه الأمطار وعدم انتظامها وتوزيعها بالري التكميلي، لكي يضمن نضج محصوله وزيادة جودته وكمياته وضمان الربح.
الزبن واحد من مزارعين في البقيعة أصروا على الاستمرار بإنتاج القمح البعلي رغم التباين في سقوط الأمطار وتوزيعها، ومحدودية كميتها
يقف الزبن وسط بيدر القمح الذهبي، ممسكا ببعض السنبلات، قائلا: "يشكل القمح موردا اقتصاديا مهما، وكان والدي يحرص على زراعته في كل موسم، لأهميته ولحبه للأرض ومن مبدأ أن الله يبارك لمن يأكل مما يزرع".
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء فإن معدل استهلاك الفرد الفلسطيني الواحد من القمح يبلغ حوالي 120 كغم/ سنويا.
ويتابع الزبن: هذا السهل (سهل البقيعة) يعتبر ثالث سهول الضفة الغربية من حيث المساحة، ويعد منتجا رئيسيا للمحاصيل الحقلية وأولها القمح، لكن مع تذبذب الأمطار وعدم توزيعها وقلتها في بعض الأحيان، تراجعت الزراعات البعلية في السهل الذي استولت سلطات الاحتلال على حوالي 70% من مساحته لصالح المستوطنات، لتحل مكانها المحاصيل المروية مثل البندورة والخيار والشمام والبطيخ والبصل والبطاطا، وخاصة بعد وصول شبكة المياه للسهل.
ويشير الزبن إلى أن تراجع زراعة القمح والتي كان يشتهر بها السهل في السابق نتيجة تذبذب سقوط الأمطار، وعدم انتظام توزيعها إلى البحث عن بديل لهذه المشكلة، ليجد أن الحل يكمن في الري التكميلي للمحصول، ففي الفترات التي تنقطع فيها الأمطار عن المحصول يلجأ إلى ري محصوله ريا تكميليا خوفا من خسران الموسم.
وهذه السنة الثالثة على التوالي التي يستخدم فيها الزبن هذه "الحيلة" على المحصول كما يحب أن يسميها، ليعوض نقص المياه ويبقى محافظا على زراعة القمح والحصول على انتاج أفضل وجودة أعلى.
ويُنقل عن خبراء الزراعة، بأن فلسطين وبلاد الشام عرفت زراعة القمح والحنطة مُنذ العصر الحجري الوسيط، وهو العصر الذي امتد نحو 6000 سنة ابتداء من حوالي 12,000 قبل الميلاد.
يقول الزبن: تعد زراعة القمح موروثا ثقافيا ورثناه عن الأجداد، إضافة إلى أنه يشكل اكتفاء ذاتيا ونوع من السيطرة والسيادة على الأرض.
ترتسم السعادة على محياه وهو يتابع حصاد محصوله من القمح بالآلات الحديثة، قائلا إن سهل البقيعة يشكل بمساحته وخصوبة تربته مستقبل الزراعة في فلسطين، حيث بدأ التحول الزراعي فيه من عام 2011 من البعلي إلى المروي، وبدأت المنطقة تشتهر بزراعة البطيخ والشمام والبطاطا والبصل والعنب، بعد أن كانت مقتصرة على الزراعات الحقلية البعلية.
ويتابع: رغم التطور في الزراعة وإدخال أصناف من الخضراوات لم تكن تزرع في السابق بالسهل، وتجنب العديد من المزارعين زراعة المحاصيل البعلية، إلا أنني ما زلت أتمسك بزراعة القمح التي لم تعد مجدية كما كانت في السابق.
ويكمل: أهمية الري التكميلي تأتي نظرا لأهمية محصول القمح، فهو غذاء أساسي للإنسان والحيوان، ويصنع منه طحين الخبز الذي يعد الطعام الرئيسي للإنسان.
ويلائم زراعة القمح الجو معتدل الحرارة، ومعتدل الرطوبة، ولا تنجح زراعته في الأجواء الحارة، والأجواء شديدة البرودة، وأهم عوامل نجاحه هو توزيع سقوط الأمطار على مدار الموسم.
ويشير الزبن إلى أن استمراره واصراره على زراعة القمح في ظل هذه الظروف ليكون لدينا سلة كاملة من الخضار والحبوب بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي، والاستغناء في المستقبل عن الاستيراد.
ويوضح أن المنطقة شفا غورية، تعتمد على سقوط الأمطار، حيث تعتبر نسبة سقوطها قليلة وأحيانا يعانوا من الجفاف، لذلك لجأوا الى الري التكميلي حتى تعوض نقص المياه من الأمطار ولتعطينا الانتاج الكامل من الزراعة.
ويزرع الزبن 250 دونما من الخضار والقمح كل عام، ويقوم بزراعة القمح من نوع عنبر بعد زراعة موسم الخضراوات لاستغلال الأرض، ويستخدم القمح للدقيق وكبذور للسنة المقبلة، وينتج الدونم الواحد ما يقارب 500-600 كيلو للدونم غير القش الذي يستخدم للثروة الحيوانية.
وتشهد المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية تذبذبًا وتراجعًا في المساحات، وتوجهاً للمحاصيل المروية، والتي تدر إنتاجًا ودخلًا أكبر.
وتعتبر محافظتيّ طوباس وجنين من أكثر المحافظات التي تزرع المحاصيل الحقلية، بسبب توفر المساحات الواسعة والسهلية، والآن تتجه للزراعات المروية المكشوفة وداخل البيوت البلاستيكية.
ويضيف الزبن أن المساحات المزروعة بالقمح بدأت بالتراجع بسبب تفتت ملكية الأراضي بين الورثة، فأصبحت المساحات صغيرة وبالتالي لا يستطيعون زراعتها بمحصول القمح لأنه يعتمد على جني المحصول بالآلات التي تحتاج إلى مساحات كبيرة.
"كما أن مضايقات الاحتلال وتدريباتهم العسكرية في الأراضي الزراعية، ومنع وصول المزارعين إلى بعض الأراضي لزراعتها والاعتناء بها، والاستيلاء على المعدات الزراعية والآلات والتراكتورات أثر سلبا".
مبينا أن تأخر هطول الأمطار عن مواسمها المعروفة، دفع الناس إلى تغيير النمط الزراعي من بعلية إلى مروية، والدخول على قطاع الخضراوات والبيوت البلاستيكية الاكثر استدامة وربحية.
من جانبها، تقول مديرة دائرة التغير المناخي ورصد الجفاف في وزارة الزراعة ابتسام أبو الهيجاء، ان الوزارة الزراعة تعمل جاهدة لتشجيع الناس على الاستمرار في الزراعات الحقلية، بممارسات زراعية ذكية مثل استخدام الري التكميلي للزراعات البعلية، خاصة مع ظروف التغير المناخي.
وتشير إلى أهمية التركيز على الري لتكميلي في فترات وأوقات حاجة النبات للمياه وفي الفترات التي تؤثر على نموه لضمان انتاج جيد للحبوب.
وترى أبو الهيجاء أن المزارعين الذين اعتمدوا الري التكميلي للمحاصيل الحقلية لمسوا الفرق بالإنتاج والجودة في نهاية الموسم، كما أنها قللت من تخوفهم من عدم نجاح المحصول بسبب تذبذب الأمطار، كما تشجع الزراعة على استخدام بذار محسنة لزيادة الإنتاج لوحدة المساحة، والتي ترفع سقف الإنتاج للوحدة الواحدة، واستخدام "الزبل العضوي" لتحسين نوعية التربة، وتشجيعهم على اتباع دورات زراعية للقضاء على الأمراض التي قد تصيب النبات وتحدث خسائر في المحصول.
وتسعى وزارة الزراعة الحد من تراجع الزراعات الحقلية بتأطير الأراضي، بسبب صغر مساحتها، وتقسيم الملكية، تحت مظلة الجمعيات للحصول على مساحات أوسع والتغلب على تفتت المساحات، ضمن مشروع واحد.
وترى أن المزارعين المنتجين للمحاصيل الحقلية وخاصة القمح، يواجهون مشكلة تسويق الإنتاج، مع انخفاض سعر المستورد عن المحلي، إضافة إلى نقص مهارات المزارع في المحاصيل الحقلية، واستخدامهم الأدوات والمعدات القديمة التي تزيد من الفاقد، عدا أن بعض المحاصيل الحقلية تزرع من أجل الرعي، ما يقلل من كمية الإنتاج.
وحسب الجهاز المركزي للإحصاء، فقد بلغت إجمالي المساحة المزروعة في فلسطين 1,096,321 دونما خلال العام الزراعي 2020/2021، منها 979,752 دونما بنسبة 89,4% في الضفة الغربية، و116,569 دونما بنسبة 10.6% في قطاع غزة.
وبلغت المساحة المزروعة بالمحاصيل الحقلية في فلسطين حوالي 217,206 دونمات أي ما نسبته 19.8% من إجمالي المساحة المزروعة بالمحاصيل، منها 198,097 دونما بنسبة 91.2% في الضفة الغربية، و19,109 دونمات بنسبة 8.8% في قطاع غزة وذلك خلال العام الزراعي 2020/2021.
وعلى مستوى المحافظات، فإن أعلى مساحة مزروعة بالمحاصيل الحقلية هي في محافظة جنين 77,183 دونما بنسبة 35.5% من مساحة المحاصيل الحقلية في فلسطين وأقل مساحة في محافظة سلفيت 499 دونما بنسبة 0.2%.
بالنسبة لنمط الري، فقد بلغت مساحة المحاصيل الحقلية البعلية في فلسطين 201,536 دونما بنسبة 92.8% اما المساحة المروية فبلغت 15,670 دونما بنسبة 7.2%.
وتبين النتائج أن مساحة المحاصيل الحقلية المزروعة في العروة الشتوية في فلسطين 174,155 دونما بنسبة 80.2%، أما مساحة المحاصيل الحقلية والمزروعة في العروة الصيفية فقد بلغت 43,051 دونما بنسبة 19.8%.
وحول المحصول، فقد بلغت مساحة المحاصيل الحقلية المزروعة بطريقة منفردة في فلسطين 201,808 دونمات بنسبة 92.9%، و3,138 دونما مزروعة بطريقة مقترنة بنسبة 1.5%، و12,260 دونما مزروعة بطريقة مختلطة بنسبة 5.6%.
وجاء محصول القمح بأعلى مساحة مزروعة في فلسطين من إجمالي المساحة المزروعة بالمحاصيل الحقلية بمساحة 100,967 دونما بنسبة 46.5%، يليه محصول الشعير بمساحة 49,464 دونما بنسبة 22.8%.
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!