عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 كانون الثاني 2016

جميل مصلح (مسَّلم)

عيسى عبد الحفيظ

جميع الأسرى يمتلكون صفات تميز كل واحد منهم عن الآخر. لكن هناك البعض منهم يترك في الآخرين أثرا مهما امتدت الأيام وطالت، ويترك بصماته حتى على ذاكرة السجن والأسرى والسجانين.

جميل كان واحداً من هؤلاء، مفعماً بالحياة، جمع بين حبه لها وابتسامته الدائمة، وشجاعة قل نظيرها، مع استعداد دائم للتضحية. حركة ونشاط لافت، وشخصية فذة قوية، مع سحر خاص يجعلك تتعلق به من الوهلة الأولى. جرأة نادرة جعلته في الصف الأول للمجابهة مع السجان وإدارة المعتقلات التي لا ترحم.

 (مسّلم الدودة) هذا هو اسمه الذي حفظه كل سجين دون استثناء ترك خلفه بعد دخول المعتقل زوجة شابة وطفلته الأولى الرضيعة. العديد من المعتقلين تركوا خلفهم زوجات وأولاد، ولكن جميل كان من القلائل الذي زرعوا صورة طفلته في قلوب وذاكرة السجناء، لذا اكتست صورة طفلته التي علقها على جدار الزنزانة لحماً ودماً وكأنها تعيش معهم. الجميع أحب (كفاح)، تلك الطفلة التي أصبحت طفلة الجميع إلى درجة أنهم كانوا يهتمون بنوع الحليب الذي تشربه، بملابسها، بضحكها وبكائها، ناهيك عن الاحتفال بعيد ميلادها. كانت صورة طفولتها البريئة وهي معلقة على جدار السجن كأنها مصدر ضوء في عتمات الليالي الطويلة للمعتقلين الذي كانوا يقضون فترة المحكومية والتي لا تقل عن عشرين عاماً، ناهيك عن المؤبدات الكثيرة.

لم ينقل مسّلم إلى السجن طفلته فقط، بل نقل إليهم بلدته (حلحول). الجميع نقلوا قراهم المشبعة بالذكريات، لكن مسلم تفوق عليهم جميعاً في سرد التفاصيل وقصص الناس، النوادر الشعبية، المساجد، الأشجار، المدارس، حكايات الزواج والميلاد، حكايات الفقراء والأغنياء، حكايات الكهوف والينابيع، حكايات العنب والخوخ والرمان.

عندما أطلق سراحه في صفقة التبادل 1985عام، وقف على أطلال بيتهم الذي دمرته قوات الاحتلال، وعادت إلى مخيلته أيام الطفولة بكل ذكرياتها. البيت الذي بناه والده حجراً حجراً وكان مصدر فخره. قال عندما نسفوا بيتنا نسفوا معه تاريخ والدي ووالدتي وذكريات زواجهما ثم أردف كل ذلك كان بسببي أنا ولكن للحرية ثمن يجب أن ندفعه.

عاد إلى زوجته بعد سبعة عشر عاماً بالتمام والكمال، وكانت ابنته (كفاح) قد بلغت مرحلة الشباب، وعاد بيته ليمتلئ بالاولاد والبنات مجدداً بالحركة والنشاط.

طاقة غير عادية لازمت مسلم حتى بعد خروجه من السجن. الميزة التي أسرت قلوب الآخرين كانت ميله الواضح للمرح وتناول قضايا الحياة البسيطة منها والمعقدة بسهولة ويسر، وكأن كل قضية مهما تعقدت يجد لها حلاً، بما في ذلك قضية شعبه الكبرى قضية فلسطين " إنها تحتاج إلى وقت لا تستعجلوا" تولى مسلم مناصب رفيعه بعد اتفاق أوسلو، ومثل محافظة الخليل في المجال الذي خبره تماماً الإرتباط العسكري. وسعى بكل جهده لمساعدة الآخرين في السفر والعلاج والدارسة على وجه الخصوص، ولم ينس الاهتمام بالأرض واستصلاح ما تبقى منها.

دفعة واحدة، ودون سابق إنذار توفي مسلم؟ هرع الجميع وكانت الصدمة إنه السرطان الذي تم اكتشافه متأخراً جداً وبعد فوات الأوان. تقبل مسلم الأمر وكأنه عادي جداً، مفعماً بالحياة ومفعماً بالإيمان، بالقضاء والقدر، وما عليه سوى تقبل الأمر وهكذا كان.

ترك زوجة وأطفالاً، ترك أم كفاح أو أم الصبر فيما بعد، المرأة الصادقة، التي بقيت تنتظره سبعة عشر عاماً. أنها بحق "بينيلوبي" فلسطين.