أربعون يوماً تمر على فراقك..
د. خالد جميل مسمار

يحيى رباح.. وتمضي بنا الأيام وتمر بنا الذكريات.
كانت سنوات ولا أجمل ولا أحلى في العام 1968 كنا شبابا.. صبيانا فقط ثم صبيانا وبنات، نعم كنا في العشرينيات لا نلوي على شيء.. ليس لنا إلا فلسطين.
عبد الشكور، الطيب عبد الرحيم، يحيى العمري، وأنا وعبد الله حجازي وأستاذنا الكبير، معلمنا فؤاد ياسين أبو صخر ثم محمد الدرهللي، وفاروق سرور وحسن أبوعلي.
وتجري الأيام وتتسارع الأحداث ويلتحق بنا يحيى رباح وبركات زلوم عبد المجيد فرعوني ثم أحمد عبد الرحمن وزياد عبد الفتاح ونبيل عمرو وربحي عوض.
يأتي عارف سليم ورسمي أبو علي ويوسف القزاز ومريد البرغوثي وعزمي خميس وعلياء الحسيني وعصام عنان ولا أنسى عبلة الدجاني وحسين الأمريكاني وعصام بسيسو وعماد شقور، ومكرم يونس وحمدان بدر، تلك كانت الفترة الإذاعية الأولى في 4 شارع الشريفين في القاهرة.
وتتصاعد الثورة وتتكاثر المؤامرات فنتفرق في أصقاع الأرض. منا من ذهب إلى بيروت ومنا من ذهب إلى الجزائر وعمان وبغداد ثم صنعاء وعدن ودرعا، إلى أن استقر الوضع في بيروت.
هنا كان العمل الأساسي لفقيدنا يحيى رباح التفويض السياسي لكنه لم يقطع صلته بالإذاعة التي أصبح اسمها صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية بدلاً من صوت العاصفة صوت فتح صوت الثورة الفلسطينية. وبدأ ينشر كلامه في نشرة "صوت العاصفة" التي كانت تصدر عن التفويض السياسي لقوات العاصفة هو وثلة من المفوضين السياسيين أمثال حسن صالح ومحمد إسماعيل ومازن عز الدين.
كانت الإذاعة قد بدأت مرحلة البرمجة خاصة بعد خروجنا من قواعدنا في الأردن في العام 1970 فلم تعد الإذاعة تكتفي بالبلاغات العسكرية التي تتحدث عن العمليات الفدائية التي كانت تنطلق من هناك عبر الحدود وعبر الشريعة -نهر الأردن.
وكان صاحب تلك المرحلة.. مرحلة البرمجة نبيل عمرو الذي أقنعنا بصعوبة لقبول هذه الفكرة بعد أن كنا نعتمد المنطلقات الثورية القصيرة التي لا تتجاوز السطر أو السطرين والأناشيد الثورية التي ملأ صداها الفضاء العربي كله.
ومن ضمن هذه البرامج.. البرنامج الزجلي ذائع الصيت غنّى الحادي.. وقصة هذا البرنامج كانت مع يحيى رباح.
كان يحيى في زيارة الإذاعة قادمًا من جنوب لبنان في الوقت الذي كان يزورنا فيه شاعر زجلي كان مشهوراً في أوساط الفلسطينيين واللبنانيين لم أكن قد سمعت به ولم أهتم به في الواقع حيث كنت من معارضي البرمجة فتركته مع يحيى ودخلت استوديو الهواء لبث نشرة الأخبار لكنني فوجئت باهتمام بالغ من يحيى بالشاعر يوسف الحسون "أبو العلاء" بعد خروجي من الاستوديو وإعجابه الكبير بشعره الزجلي السياسي.. وبقدوم نبيل عمرو اكتمل الانسجام وتمّ الاتفاق على برنامج جديد كان الفضل فيه ليحيى ونبيل عمرو وأصبح لدينا "غنى الحادي" إلى جانب برنامج يحيى الأول كلمات إلى فلسطين الوطن والشعب.
يحيى إنسان مرهف يتعامل بالكلمة فيطوعها للقارئ أو المستمع كالعجينة اللينة بين أنامله التي كان يقضم أظافرها كلما سرح خياله بفكرة جديدة.
مرة كنت والطيب نذيع برنامج "خبر وتعليق" وكان هذا البرنامج فيه شيء من السخرية السياسية اللاذعة وقد برعت يومها بهذا الأسلوب.. وكان يومها التعليق على خبر من صحيفة سكوتسمان scotsman البريطانية.. وقد أُعجب يحيى لطريقة نطقي لاسم الجريدة تلك أيما إعجاب وكان كلما التقينا يبادرني بنطقها مقهقهاً حتى وقت قريب رحمه الله.
على المستوى الشخصي خسرت رجلاً كان يحبّني ويقدرني وكنت أبادله المحبة والتقدير.. عملنا سوياً في مرحلة من أصعب المراحل ولكنها كانت جميلة ومحبّبة.. نتفانى فيها بعملنا اليومي لأنه من أجل فلسطين كل فلسطين وخسره نبيل عمرو حيث كانا متناغمين إلى أبعد الحدود. وخسرته الحياة الجديدة التي كان يغذيها بمقالته اليومية التي لم تعد اليوم. وخسره اتحاد الكتاب والصحفيين والأدباء والشعراء.
حاولت أنا وهو أن نعيد برنامج كلمات إلى فلسطين الذي برع في كتابة نصوصه إلى إذاعتنا في الوطن كالسابق.. هو يكتب وأنا أو غيري يذيع ما يكتب ولكننا لم نفلح.
رحمك الله.. يا يحيى.. يا رفيق الكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة.
رحمك الله وألهم زوجتك وأنجالك ورفاق دربك الصبر والسلوان.
إلى جنات الخلد يا أبا محمد
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل